إنّ البرزخ بمعنى الوسط ومقتضى الوسطيّة تحقق الطرفين بوجه ما ولا معنى للوسط بلا طرفين ، كما لا يخفى ، فالطرفان لا بدّ وأن يكونا موجودين مخلوقين ، وليس علينا البحث عن كيفية ذلك ، بل هي مفوّضة إلى اللّه المتعال .
وكذا يكفي في خلق النّار قوله تعالى في المغرقين من قوم نوح عليه السّلام :
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً
« 1 » .
وما يقال : إنّ المراد بهذه النار نار البرزخ ، فيقال في الجواب بما أجبنا في الجنّة .
واحتجاج الخصم علينا بقوله تعالى :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
« 2 » أجنبي عن المقام ؛ فإنّ كلّ شيء ممكن في ذاته ليس حيثيّته إلّا الهلاك الليسيّة ، ولا يفارقه هذا السواد في العالمين .
واللّه أعلم .
المسألة الخامسة عشر : في الإيمان والأحكام
« والإيمان التصديق بالقلب واللسان ، ولا يكفي الأوّل ؛ لقوله تعالى :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ
ونحوه ، ولا يكفي الثاني ؛ لقوله تعالى :
قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا
« 3 » » .
أقول : لا ريب في أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد بيّن جميع أبعاد الدين أصوله وفروعه وبواطنه وظواهره وعلومه وأعماله حتى أنّه قال : « وأيم اللّه لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء » « 4 » وقال في حجّة الوداع : « إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام » « 5 » وقال : « من صلّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا ، فذاك المسلم الذي له ذمّة اللّه وذمّة رسوله » « 6 » إلى غير ذلك .
ولكن سرعان ما طلع قرن تكفير أهل القبلة وكانت الخوارج أوّل من كفّر أهل القبلة
هامش
( 1 ) . نوح ( 71 ) : 25 .
( 2 ) . القصص ( 28 ) : 88 .
( 3 ) . الحجرات ( 49 ) : 14 .
( 4 ) . سنن ابن ماجة ، ج 1 ، ص 4 ، ح 5 .
( 5 ) . بحار الأنوار ، ج 23 ، ص 165 ، ح 118 وج 37 ، ص 113 ، ح 6 .
( 6 ) . بحار الأنوار ، ج 26 ، ص 42 ، ح 74 .