تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تكملة شوارق الألهام — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
وأمّا تطاير الكتب الواقع في بعض أدعية تلقين المحتضر والميّت فالظاهر أنّ أصله قوله تعالى :
كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً
« 1 » ولم نجد هذا التعبير مصرّحا به في روايات آل البيت عليهم السّلام . المراد من التطاير هنا هو العمل الذي يتخيّل الإنسان أنّه طار وأفلت عنه خيرا كان أو شرا فنبّه اللّه تعالى على لزوم كلّ عمل - من قول أو فعل من خير أو شرّ - لعامله بإلزام اللّه تعالى ، فكلّ عامل مضروب عليه عمله إلّا أنّه تعالى بيّن في كتابه أنّ لجزاء الأعمال نظاما بديعا ، وأنّ بعض الأعمال السيئة ينقل إثم من وقع عليه العمل إلى العامل ، كقوله سبحانه :
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ
« 2 » فهذا كالصريح في أنّ إثم المقتول المظلوم يطير عنه إلى القاتل ، وأنّ منها ما ينقل مثل سيئات الغير إلى الإنسان كقوله تعالى :
لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ
« 3 » إلى غيرها من الآيات الكثيرة في هذا الباب ، وقد جرت طبقها الروايات . ولعلّ هذا هو المقصود من تطاير الكتب . « والسّمع دلّ على أنّ الجنّة والنّار مخلوقتان الآن ، والمعارضات متأوّلة » . أقول : يكفي في خلق الجنّة الآن قوله تعالى في حقّ المؤمن في سورة يس :
قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ
« 4 » . فإنّ المستفاد من السياق أنّ هذا الرجل المنتهض لنصرة الرسل عليهم السّلام قد خاصم القوم أصحاب القرية ، وأبطل ما احتجّوا به في تكذيبهم الرسل ، فآل الخصام إلى أن قتلوه ، فلمّا أن استشهد نودي من ساحة قدس الربوبيّة :
ادْخُلِ الْجَنَّةَ
فكأنّ الشهادة بأيديهم ، لها وجهان : أحدهما : الوجه الخلقي وهو القتل . وثانيهما : الوجه الربي وهو النداء بالدخول في الجنّة واللحوق بالمكرمين من عباد اللّه المخلصين وملائكته المقرّبين ، ولم يصف اللّه تعالى في كلامه بهذا الوصف إلّا هذين الصنفين . وما يقال : إنّ المراد بهذه الجنّة جنّة البرزخ والمطلوب بالبحث هو جنّة الآخرة ، فيقال :
هامش
( 1 ) . الإسراء ( 17 ) : 13 . ( 2 ) . المائدة ( 5 ) : 29 . ( 3 ) . النحل ( 16 ) : 25 . ( 4 ) . يس ( 36 ) : 26 - 27 .