بالذنوب ، فلم يكتفوا بتكفير مرتكب الكبيرة ، بل ربما عدّوا مرتكب الصغيرة كافرا ، وزعموا أنّ العمل بالطاعات جزء من الإيمان فصار هذا الاعتقاد المفترى به على الإسلام مبدأ للنزاع المنتهي إلى القتال المستمرّ ، فافترقت الأمّة في حقيقة الإيمان فرقا واضطرّ أهل الكلام إلى أن يفتحوا فيه بابا سمّوه بالأسماء والأحكام ، ويريدون بالأسماء الأسماء الشرعية المستعملة في أصول الدين كالإيمان والكفر والمؤمن والكافر ، وبالأحكام الأحكام الطارئة لهذه الأسماء .
وكيف كان فلا ريب في أنّ الإيمان لغة هو التصديق ، قال سبحانه حكاية عن إخوة يوسف عليه السّلام :
وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا
أي بمصدّق فيما أخبرناك من أكل الذئب يوسف ، ويقال في المحاورات العرفية : فلان يؤمن بكذا أي يصدّقه ويعترف به ، هذا .
وأمّا شرعا فقد اختلفت في حقيقته عبارات الأعلام ، وضبطها بعض الأكابر بقوله : « إنّ الإيمان شرعا إمّا أن يكون من أفعال القلوب فقط أو من أفعال الجوارح فقط أو منهما معا » .
فإن كان الأوّل ، فهو التصديق بالقلب وهو مذهب الأشاعرة وجمع من متقدمي الإمامية ومتأخّريهم ، ومنهم المحقق الطوسي في فصوله .
وإن كان الثاني ، فإمّا أن يكون عبارة عن التلفّظ بالشهادتين فقط وهو مذهب الكراميّة ، أو عن جميع أفعال الجوارح من الطاعات بأسرها فرضا ونقلا وهو مذهب الخوارج وقدماء المعتزلة والعلّاف والقاضي عبد الجبّار ، أو عن جميعها من الواجبات وترك المحذورات دون النوافل وهو مذهب أبي علي وابنه أبي هاشم وأكثر معتزلة البصرة .
وإن كان الثالث ، فهو إمّا أن يكون عبارة عن أفعال القلوب مع جميع أفعال الجوارح من الطاعات وهو قول المحدّثين وجمع من السلف كابن مجاهد ؛ فإنّهم قالوا : إنّ الإيمان تصديق بالجنان ، وإقرار باللسان ، وعمل بالأركان . وإمّا أن يكون عبارة عن التصديق مع كلمتي الشهادة ونسب إلى طائفة ، ومنهم أبو حنيفة . وإمّا أن يكون عبارة عن التصديق بالقلب مع الإقرار باللسان وهو مذهب المحقق نصير الدين الطوسي في تجريده ، فهذه سبعة مذاهب ذكرت في الشرح الجديد للتجريد وغيره « 1 » .
هامش
( 1 ) . حقائق الإيمان ، ص 53 - 55 .