تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تكملة شوارق الألهام — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
عثمان قدوة لهم في هذا . ويرى غيرهم أنّ سلّ السيف في إقامة هذه الفريضة واجب إذا لم يمكن إلّا به ، فإن أدّى القول اللّين والبلاغ المبين في تحقق ذلك كفى ، وإلّا فالسيف ، وعلى هذا المبدأ سار أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام . فلمّا انتقلت الخلافة إلى بني أميّة وخلا لهم الجوّ وكانت العقيدة الجبرية من مباديهم السياسيّة رأوا أنّ مذهب سعد بن أبي وقّاص وزملائه في هذه الفريضة يقوّي مبدأهم السياسي فاعتنقوه ، ولكنّ اللّه تعالى على صراط مستقيم فنجم بإرادته سبحانه قرن الطائفة المعتزلة فاستفحل أمرهم إلى أن استووا على عرش المطاعيّة عند بعض خلفاء بني العبّاس ، فامتلكوا زمام الدعوة إلى العقائد فأعلنوا أنّ أصول الدين خمسة : « التوحيد ، والعدل ، والوعد ، والوعيد ، والمنزلة بين المنزلتين ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر » فأدرجوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أصول الدين وقرّروا سلطان العقل ، وبالغوا فيه قبال الأشاعرة خصماء البرهان العقلي على ما فصّل في محلّه وهذا هو السرّ في تدوين القوم فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تارة في علم الكلام إيذانا بأنّها من أصول العقائد التي يبحث فيها عقلا . وأخرى في مدوّناتهم المعمولة في الأحكام السلطانيّة ، ويجعلونها من أقسام الولايات التي زمامها بيد الإمام السائس للأمّة . فإفراط المعتزلة في نصرة هذه الفريضة وإدراجها في أصول الدّين ردّا لتفريط هؤلاء المفرّطين ممّا لا بدّ منه بمقتضى قوله العزيز المتعال :
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ
« 1 » . وقد ماشاهم المصنّف رحمه اللّه فبحث هذه الفريضة في علم الكلام مع أنّ الطائفة الإمامية يجعلونها من فروع الدين ويبحثونها في كتبهم الفقهيّة . وقال في المواقف : « وهو عندنا من الفروع وعند المعتزلة من الأصول » « 2 » . وقال في شرح المقاصد : « قد جرت عادة المتكلّمين بإيرادهما في علم الكلام مع أنّهما
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 251 . ( 2 ) . شرح المواقف : ج 8 ، ص 374 .