تتحقق في ظرف الاختيار . وأمّا فيما لا اختيار للعبد في انتخاب كل من طرفي الصلاح والطلاح ، فلا مسرح للتوبة فيه .
المسألة الرابعة عشر : في عذاب القبر والميزان والصراط وسائر السمعيّات
« وعذاب القبر واقع للإمكان وتواتر السمع بوقوعه ، وسائر السمعيات من الميزان والصراط والحساب وتطاير الكتب ممكنة دلّ السمع على ثبوتها ، فيجب التصديق بها » .
اعلم : أنّ كتاب اللّه تعالى بدّل على أنّه بالموت تشرع حياة أخرى سعيدة أو شقيّة قد سمّاها القرآن المجيد بالبرزخ ، فقال :
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
« 1 » .
والآية صريحة في شروع حياة أخرى بمجيء الموت ، وأنّها تمتدّ إلى يوم البعث . وفسّر البرزخ في الروايات بالقبر ، ومثل الآية في الدلالة على الحياة في البرزخ والقبر آيات كثيرة :
منها : قوله تعالى :
قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ
« 2 » .
ودلالة الآية على حياة القبر والبرزخ واضحة ؛ فإنّ معنى الموت والمتوفّى هو انتقال النفس إلى عالمها ، فهو بوجهه الدنيويّ إماتة وتعطيل للحواسّ والمشاعر ، ولكن بوجهه الآخر إحياء في النشأة الأخرى فهذه إماتة وإحياء .
وأمّا الإماتة والإحياء الثانيتان فهما الانتقال من البرزخ إلى الآخرة بنفخة الصعقة فالإماتة هي بعينها الإحياء : إماتة بالإضافة إلى العالم المنتقل عنه ، وإحياء بالإضافة إلى العالم المنتقل إليه .
ومنها : قوله سبحانه في عذاب البرزخ والقبر :
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ
« 3 » .
ومنها : قوله تعالى في حياة البرزخ ونعمه :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً
هامش
( 1 ) . المؤمنون ( 23 ) : 99 - 100 .
( 2 ) . المؤمن ( 40 ) : 11 .
( 3 ) . المؤمن ( 40 ) : 46 .