البعد ، كما قال تعالى :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا
« 1 » وبذلك يستعدّ نفسه للرجوع إلى العزيز الغفّار فيتبعه الرجوع الثاني من ربّه الكريم إليه بقبول توبته وصعود كلمه الطيّب إليه تعالى وإزالة السيئات المهلكة عن نفسه المحاطة بخطيئاته ، فتوبة العبد محفوفة بتوبتين من اللّه التواب .
فحقيقة التوبة : إمّا هي الرجوع إليه تعالى في الاعتقاد الحق المعبّر عنه بالإيمان والإعراض عن الشرك ، وإمّا هي الرجوع إليه تعالى بالانقلاع عن السيئات والإقبال على صالح الأعمال .
وأمّا الأحكام الشرعية تكليفيّها ووضعيّها فهي بحالها لا ترتفع عن العبد التائب بالتوبة ، فمصبّ التوبة ومجراها إنّما هو خلاص النفس المبتلاة بإغلال السيّئات .
وأمّا ما يتعلّق بحقوق الناس ممّا يتوقّف الخلاص منه على رضاهم فلا يجبره التوبة ؛ لأنّ اللّه عزّ وجلّ قد منّ عليهم بحقوق في أموالهم ونفوسهم وأعراضهم أعلن أنّ التعدّي عليها ظلم وعدوان ، فكيف يتصوّر أنّه سبحانه يظلمهم بسلب حقّ منهم ؟ وقد قال سبحانه :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً
« 2 » .
نعم ، إنّ الإسلام - وهو التوبة إليه تعالى في الاعتقاد والحق والإعراض عن الشرك كما عرفت - يكون ماحيا كلّ سيّئة سابقة وتبعاتها المتعلّقة بالفروع كما يدلّ عليه الحديث النبويّ المشهور صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الإسلام يجبّ ما قبله » « 3 » ونظير حقوق النّاس في عدم الجبر بالتوبة توبة من سنّ سنّة سيّئة أو أضلّ الناس عن الصراط فهذا هو الميزان في التوبة وتأثيرها . وبما ذكرنا يوزن كلام أهل الكلام . واللّه سبحانه هو الهادي إلى الصواب .
« وفي إيجاب التفصيل مع الذكر إشكال ، وفي وجوب التجديد أيضا إشكال ، وكذا المعلول مع العلّة ، ووجوب سقوط العقاب بها » .
أقول : بعد ما عرفت حقيقة التوبة يظهر لك أنّه لا قيمة لأمثال هذه الأسئلة في سوق البحث ؛ فإنّه مع كفاية الندم على كلّ قبيح صدر منه في تحقّق التوبة - لا حاجة إلى عدّ كل معصية تفصيلا .
هامش
( 1 ) . التوبة ( 9 ) : 118 .
( 2 ) . يونس ( 10 ) : 44 .
( 3 ) . المسند لأحمد بن حنبل ، ج 6 ، ص 233 ، ح 17792 ؛ بحار الأنوار ، ج 102 ، ص 371 ، ح 7 .