ثم بعد ما تاب المكلّف عن معصية ثم تذكّرها بعد حين لم يعص بالتذكّر حتى يحتاج إلى تجديد التوبة وكذا التشكيك في أنّه « هل يجب عليه الندم على المعلول أو على العلّة أو عليهما » ؟ فإنّ التشكيك والارتياب في ذلك وسوسة محضة ؛ فإنّ المناط الّذي شرعت لأجله التوبة هو التخلّص من هلاك الذنوب وبوار المعاصي والخروج عن إحاطة الخطيئات ففي الفرض المرتاب فيه يجب التوبة فيما هو المحقّق للمعصية وهو الإصابة لا غير . وأما ترديد المصنّف بتعبير « إشكال » فهو من باب المماشاة فقط .
نعم ، قوله رحمه اللّه : « ووجوب سقوط العقاب بها » يطلب البحث والتحقيق . وقبل الشروع في ذلك يجب أن ينبّه على أنّ الوجوب المذكور في هذه الفقرة هو الوجوب على اللّه تعالى ، وفيما قبلها هو الوجوب على العباد .
وأمّا البحث والتحقيق في هذه الفقرة فاختلفوا ، فذهب المعتزلة إلى أنّه يجب سقوط العقاب بالتوبة . وقالت المرجئة : إنّ اللّه تعالى يتفضّل عليه بإسقاط العقاب لا على جهة الوجوب .
وعمدة أدلّة المعتزلة في المقام أنّه لو لم يجب إسقاط العقاب لم يحسن تكليف العاصي بقوله تعالى :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
« 1 » ونحوه من الآيات والأخبار .
وأجيب : بأنّ الآية الشريفة وأمثالها تدلّ على وجوب رجوع العبد إلى اللّه تعالى لأنّه مظنّة للفلاح ، فلعلّه يكون بعفوه سبحانه أو بزيادة الثواب ، فلا دلالة فيها على وجوب قبول التوبة على اللّه عزّ وجلّ .
والّذي يقتضيه التحقيق أنّ نجاح التوبة إنّما هو لوعد وعده اللّه عباده فأوجبها بحسبه على نفسه لهم ، فقال سبحانه :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ . . .
« 2 » فيجب عليه تعالى قبول توبة العبد لكن لا على أنّ لغيره أن يوجب عليه شيئا أو يكلّفه بتكليف بل على أنّه تعالى وعد عباده أن يقبل توبة التائب منهم وهو لا يخلف الميعاد ، فهذا معنى وجوب قبول التوبة على اللّه فيما يجب وهو أيضا معنى وجوب كلّ شيء يجب على اللّه وقد سبق
هامش
( 1 ) . النور ( 24 ) : 31 .
( 2 ) . النساء ( 4 ) : 17 .