المصنّف قدّس سرّه في جواز العفو عن الكبائر بلا توبة عقلا وسمعا .
وأما دليل العقل فلأنّ إعمال العقوبة حق اللّه تعالى فيجوز تركه في غير ضرر عليه وفي إعمال الحق ضرر على العاصي وهو تعالى قديم الإحسان .
وأما دليل السمع فنصوص الآيات الكريمة الكثيرة .
والحاصل أنّ ترك المجازاة على المعصية جائز بخلاف الطاعة وهو حكم فطريّ مبنيّ على أنّ العقاب حق للمعصيّ على العاصي وليس من الواجب إعمال الحق دائما إلّا أنّه لا يجوز تركه دائما ، وإلّا لغى القضاء الفطري بثبوت الحق ، ولا معنى لثبوت شيء لا أثر له ولا في وقت من الأوقات ، مع أنّ إلغاء حق العقاب رأسا هدم لنظام الاجتماع .
المسألة العاشرة : في الشفاعة
« والإجماع على الشفاعة ، فقيل لزيادة المنافع ، ويبطل منافي حقه ونفي المطاع لا يستلزم نفي المجاب وباقي السمعيّات متأولة بالكفّار » .
أقول : إنّ أصل ثبوت الشفاعة ممّا لا مساغ لإنكاره كيف وقد وقع مصبّا للإجماع والاتفاق من أهل الكلام والحديث والتفسير ، فمنهم المصنّف وشرّاح كتابه التجريد .
وما نسب إلى الوهّابية من الإنكار غير صحيح ؛ فإنّ إمامهم ابن تيميّة قال في رسالة الشفاعة الشرعية : « أجمع المسلمون على أنّ النّبي يشفع للخلق يوم القيامة ، ثم إنّ أهل السنّة والجماعة متّفقون على ما اتّفقت عليه الصحابة واستفاضت به السنن من أنّه يشفع لأهل الكبائر من أمّته ، ولعموم الخلق أيضا . وأمّا الوعيديّة من الخوارج والمعتزلة فزعموا أنّ شفاعته إنّما هي للمؤمنين خاصة في رفع الدرجات . ومنهم من أنكر الشفاعة مطلقا . . . . » « 1 » .
وما نسب إليهم من إنكار الشفاعة هي حرمة طلبها من النّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في الدنيا ، وزعموا أنّ ذلك شرك وكفر وطفحت بذلك عباراته في الجزء الأوّل من مجموع فتاوى ابن تيميّة .
قوله : « في رفع الدرجات » هو الذي يراد بقول المصنّف : « لزيادة المنافع » وقد أبطله المصنّف رحمه اللّه بأنّ الشفاعة لو كانت في زيادة المنافع لكنّا شافعين في النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حيث نطلب له
هامش
( 1 ) . مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية ، ص 10 .