تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تكملة شوارق الألهام — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
التجربة « 1 » جاهلا لغلبة الهوى والشهوة ، ولذلك تراهم لا يسمّون مرتكب الذنب إذا لم يكن في ارتكابه متأثّرا عن الهوى ، جاهلا بل يطلقون عليه معاندا ونحوه . وثانيهما : أن يلحقه الندم عمّا ارتكب سريعا وهو - أي الندم والتوبة - من خواصّ هذا الفعل الصادر على وجه الجهالة بالمعنى المذكور ، فإنّ مثل هذا المقترف غير المعاند إذا سكنت شهوته بانت الندامة منه ، ورجع إلى عتبة التوبة ، وهذا معنى قوله تعالى :
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
حيث يظهر منه أنّ عامل السوء بجهالة لا يظلّ عاكفا عليه مدى حياته بل بانطفاء نار الشهوة والهوى يعدل إلى التقوى والرجوع إلى المولى العفوّ الغفور . هذا بخلاف عالم السيّئات الذي اقترفها لا على وجه الجهالة بل على سبيل العناد وخبث الذات ورداءة الفطرة ؛ فإنّه لا يزول عن موقفه العنيد بزوال الشهوة وطغيان بعض القوى حيث إنّ مبدأ تهاجمه على ارتكاب السيّئات هو خبث ذاته ورداءة فطرته ، فهذا الداء العيّاء يلازمه من غير أن يلحقه ندامة من قريب إلّا أن يشاء اللّه تعالى ، فيتواضع للحق ، ويعكف على باب التوبة ، فيكشف ذلك أنّ عناده كان من جهالة . وعلى أيّ حال ، كل معاند لجوج في عمله بمقتضى فطرته المئوفة فإذا شاهد أمارات الجزاء والعذاب يلجأ بالاستمساك بعروة التوبة من فعله ، ولكنّه بحسب الواقع ليس بنادم بل هي حيلة للفرار وهذا معنى قوله تعالى :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ . . .
. « فلا يصحّ من البعض ، ولا يتمّ القياس على الواجب ولو اعتقد فيه الحسن لصحّت التوبة ، وكذا المستحقر » . هذا بيان للاختلاف الواقع بين رؤساء المعتزلة في جواز تبعيض التوبة عن بعض المعصية دون بعض ، فقال أبو هاشم بعد الجواز محتجّا بأنّ قوام التوبة - كما تبين - هو الندم على القبيح ؛ لقبحه ، فالعلّة - وهي القبح - موجودة في جميع المعاصي فلو ندم على معصية دون معصية يكشف ذلك عن كونه نادما على ذلك البعض لا لقبحه بل لأمر آخر ، فلا يكون ذلك توبة . نعم ، لو اعتقد في البعض الذي لم يندم عليه أنّه حسن أو كان ذلك صغيرا مستحقرا
هامش
( 1 ) . ويشهد له قول يوسف عليه السّلام لإخوته :إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَوبه رواية مذكورة في تفسير الميزان ، ج 4 ، ص 252 .