تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تكملة شوارق الألهام — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
لم يدرك معنى الرحمة العامّة الواسعة التي هي بمعنى الإفاضة والإعطاء للقوابل حسب قابليّتها في نظام الدنيا والآخرة فإضافة العذاب الدائم بمقتضى ما جبلت عليه النفوس من الرحمة الواسعة . ومن العجب ما قيل : « قد وجدنا في نفوسنا أنّه لو حكّمنا في أهل جهنّم لأزلنا عنهم العذاب بما جبلت عليه نفوسنا من الرحمة ونحن مخلوقون وأصحاب الأهواء فكيف بأرحم الراحمين » فإنّ المسكين قاس رحمة اللّه الواسعة بالرحمة التي جبل عليها الإنسان ، التي بمعنى الحنان والإشفاق الناشئ من التأثّر القلبي المستلزم للمادّة المنفعلة تعالى عن ذلك علوّا كبيرا ، ولبسط البحث مكان آخر . والمقصود بالبحث هنا ما اختلفوا فيه من خلود عقاب أصحاب الكبيرة من المسلمين فأوجبه جميع المعتزلة والخوارج إذا مات صاحب الكبيرة بلا توبة واستدلّوا على ذلك بوجهين : أحدهما : أنّه تعالى أوعد العقاب على الكبيرة مقيّدا بالخلود ، كقوله تعالى :
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها . . .
« 1 » وقوله سبحانه :
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها
« 2 » إلى غيرها من الآيات فلو لم يعاقب لزم الخلف في وعيده والكذب في خبره وهو محال . وثانيهما : أنّه لو علم المذنب أنّه لا يعاقب على ذنبه ، اجترأ على الذنب والعصيان وذلك ينافي لحكمة الدعوة . وأجيب أمّا عن الأوّل فبأنّ الوفاء بالوعد واجب دون الوعيد ؛ لأنّ الوعد حق العباد على اللّه المتعالى ومن أوفى بعهده من اللّه عزّ وجلّ ؟ فلا يجوز خلفه ولا يبدّل . وأمّا الوعيد فهو حق اللّه تعالى على العباد وليس من الواجب في قضاء الفطرة أن يتصرّف في حقّه فله أن يترك ما أوعده بل يعدّ ذلك كرما وفضلا . وأمّا الآيات المستشهد بها - بعد تسليم كون الصيغ للعموم - ففي المقام لم يرد منها العموم
هامش
( 1 ) . الجن ( 72 ) : 23 . ( 2 ) . النساء ( 4 ) : 93 .
تكملة شوارق الألهام — صفحة 171 | محمد المحمدي الگيلاني