تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تكملة شوارق الألهام — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
والأوقات [ وزالت ] والسّنون والساعات ، فلا شيء إلّا الواحد القهّار الذي إليه مصير جميع الأمور ، بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها وبغير امتناع منها كان فناؤها ولو قدرت على الامتناع دام بقاؤها « 1 » . إن قلت : إنّ القول بوقوع العدم ومعدوميّة الدنيا والخلائق مع القول بالمعاد لا يجتمعان ؛ فإنّ البرهان يبطل إعادة المعدوم بل ادّعى الضرورة على ذلك رئيس الفلاسفة وقد تقدّم وجوه من الحجج على امتناعه في المسألة الأربعين في الفصل الأوّل من الأمور العامّة في كتابنا هذا . فقد أجاب المصنّف - رحمه اللّه - بأنّ العدم والفناء بالنسبة إلى المكلّف بمعنى تفريق أجزائه وتمزيقها وليس معناه العدم الصرف الذي بحيث يصدق أنّه قد زال وجوده بالكلّية ، فإنّ إعادته ليست إلّا إيجادا من العدم المحض وما يوجد من العدم المحض ليس أولى بأن ينسب إلى وجود قد كان من أن ينسب إلى وجود مبتكر مخترع ، فالحكم بأنّه معاد ترجيح بلا مرجّح . فأمّا العدم المنسوب إلى المكلّف فيتأوّل بتفريق الأجزاء وتمزيقها والمعاد المنسوب إليه يتأوّل بجمع الأجزاء وتأليفها وإلى ذلك يومئ قوله عزّ وجلّ :
وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً
« 2 » ، وأصرح منه ما أشار إليه المصنّف رحمه اللّه من قصّة إبراهيم عليه السّلام . قال الشارح العلّامة في كشف المراد : « ويدلّ على هذا التأويل قوله تعالى في سؤال إبراهيم عليه السّلام عن كيفيّة الإحياء للموتى ، . . . وهو يشتمل على السؤال عن جميع المقدمات التي يفعلها اللّه تعالى حتى يهيّئهم ويعدّهم لنفح الروح ، فأمره اللّه تعالى بأخذ أربعة من الطير وتقطيعها وتفريق أجزائها ومزج بعض الأجزاء ببعض ثم يفرّقها ويضعها على الجبال ثم يدعوها فلمّا دعاها ميّز اللّه تعالى أجزاء كل طير عن الآخر وجمع أجزاء كلّ طير وفرّقها عن الأجزاء الأخرى حتى كملت البنية التي كانت عليها أوّلا ثم أحياها ولم يعدم اللّه تعالى تلك الأجزاء فكذا في المكلّف هذا ما فهمناه من قوله : كما في قصّة إبراهيم عليه السّلام فهذا هو
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة مع شرح الشيخ عبده ، ج 2 ، ص 123 - 124 . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 259 .