هي الشبهة الثانية فيه .
وتقريرها : أنّ إمكانه مشروط بجواز العدم على العالم وأمّا إذا كان العالم قديما ، يمتنع عليه العدم ، فإنّ ما ثبت قدمه امتنع عدمه كما بيّنه المصنّف قدّس سرّه في المسألة السابعة والأربعين في الفصل الأوّل في الأمور العامّة بقوله : « والقديم لا يجوز عليه العدم لوجوبه بالذّات أو لاستناده إليه » فراجع إليه .
وأما تبيين مسألة ما نحن فيه فبأن يقال : إنّه قد برهن في المسألة السادسة في الفصل الثالث في المقصد الثاني على حدوث العالم الجسماني وقال قدّس سرّه هناك : « والأجسام كلّها حادثة ؛ لعدم انفكاكها في جزئيّات متناهية حادثة فإنّها لا تخلو من الحركة والسكون وكلّ منهما حادث وهو ظاهر » .
فالعالم الجسماني بمعنى الجزئيات المتناهية المشفوعة بالحركات والسكونات مشهود الحدوث فيستحيل قدمه كي يمتنع عدمه ، فهو ممكن حادث زمانيّ . وهذا هو تبيين عبارة المصنّف بمقتضى الحال والمجال وهناك من بعض أهل الأوهام ترّهات لاغية ، والإعراض عن نقلها من علائم الإيمان .
المسألة الثالثة : في وقوع العدم وكيفيّته
« والسّمع دلّ عليه ويتأوّل في المكلّف بالتفريق كما في قصة إبراهيم عليه السّلام » .
أقول : يريد - بعد جواز العدم عقلا - أنّ السمع من الآيات والروايات يدلّ على وقوع العدم على العالم ، فمن الآيات قوله تعالى :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ
بتقريب أنّ معنى أوليّته سبحانه أنّه كان ولم يكن معه شيء بدأ الخلق وأنشأ الدنيا من حجاب العدم ، ومعنى آخريّته تعالى شأنه أنّه يعيدها بعد فنائها كما أفصح عنه أمير المؤمنين عليه السّلام في بعض خطبه . قال فيها :
« خلق الخلائق بغير مثال - إلى أن قال - : هو المفني لها بعد وجودها حتى يصير موجودها كمفقودها وليس فناء الدّنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها - إلى قوله عليه السّلام - : وإنّ اللّه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شيء معه كما كان قبل ابتدائها ، كذلك يكون بعد فنائها بلا وقت ولامكان ولا حين ولا زمان ، عدمت عند ذلك الآجال