تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تكملة شوارق الألهام — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
وأمّا الغيب المطلق فهي الأمور التي قبل تلبّسها بلباس الوجود العيني ونزولها إلى منزل الحد والقدر وهي من مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلّا هو ويختصّ به تعالى لأنّ غيره سبحانه - أيا ما كان - محدود الوجود فلا يمكنه الإحاطة بما هو خارج عن حدّ وجوده . وأمّا أنّه تعالى يعلم الغيب مطلقا فلأنّه غير محدود الوجود ومحيط بكلّ شيء فلا يمتنع شيء عنه بحدّه فلا يكون غيبا بالنسبة إليه وإن فرض أنّه غيب بالنسبة إلى غيره وعليه فيرجع علمه تعالى بالغيب والشهادة بالحقيقة إلى أنّه لا غيب بالنسبة إليه تعالى بل الغيب والشهادة اللّذان يتحققان فيما بين الأشياء بقياس بعضها إلى بعض هما معا شهادتان بالنسبة إليه تعالى ويصير معنى قوله تعالى :
عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
« 1 » : أنّ الّذي يمكن أن يعلم به العالم المحدود الوجود ، والّذي لا يمكن أن يعلم به العالم المحدود الوجود لكونه غيبا خارجا عن حدّ وجوده ، هما معا معلومان مشهودان له تعالى لإحاطته بكلّ شيء والعلم بالغيب الممكن الحصول هو المستثنى في قوله تعالى :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ
« 2 » يعني : أنّه تعالى يعلم الغيب لذاته وغيره يعلمه بتعليم من اللّه عزّ وجلّ . والمقصود أنّ العلم بالغيب - أعني الوقوف على ما وراء الشهادة من نبأ ما مضى وما يأتي - ممكن لعامّة البشر ، ومنصب النبوّة والرسالة يستدعي لمتولّيه العلم بالغيب من الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنّة والنّار والبعث والنشور وما إلى ذلك فهذا غيب كلّه مأخوذ من اللّه العليم . فالنّبي ووارث علمه في أمّته يحتاجون في العمل والسير على طبق علمهم بالغيب من البلايا والمنايا والقضايا وإعلامهم الناس بشيء من ذلك إلى أمر المولى سبحانه ورخصته ، وإنّما العلم والعمل به وإعلام النّاس بذلك مراحل ثلاث لا دخل لكلّ مرحلة بالأخرى ولا يستلزم العلم بالشيء وجوب العمل على طبقه ولا ضرورة الإعلام به ولكلّ منها جهات مقتضية ووجوه مانعة لا بدّ من رعايتها وليس كلّ ما يعلم يعمل به ، ولا كلّ ما يعلم يقال ، وبذلك يندفع ما استشكل في علم الأنبياء والأوصياء عليهم السّلام بالغيب .
هامش
( 1 ) . الرعد ( 13 ) : 9 . ( 2 ) . الجنّ ( 72 ) : 26 - 27 .