قال قدّس سرّه : « ولقوله : أقيلوني فلست بخيركم وعليّ فيكم » .
هذا احتجاج آخر على عدم صلاحية أبي بكر للإمامة حسب اعتقاده نفسه ؛ فإنّ كلامه هذا يوم السقيفة بعد البيعة معناه : أنّي لا أصلح للإمامة ومن نفى عن نفسه صلاحيته للإمامة لا يجوز له تقلّدها ، وظاهر عبارة نهج البلاغة أنّه كان يكرّر هذا التعبير ؛ لأنّ قوله عليه السّلام في الخطبة المعروفة بالشّقشقية : « فيا عجبا ! ! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته » « 1 » ظاهر في استمرار استقالة أبي بكر عن الخلافة محتجّا بعدم خيريّته وفضله على آحاد المسلمين . ومن هنا تعرف أنّ المرويّ لو كان بعبارة : « ولّيتكم ولست بخيركم » لما ضرّ بالاحتجاج المذكور .
قال قدّس سرّه : « ولقوله : خ خ إنّ له شيطانا يعتريه » يعني : أنّ أبا بكر قد اعترف بأنّ له شيطانا يغشاه ، وظاهر كلامه أنّ غشيان الشيطان عليه كان مستمرّا ، ومن كان هذا شأنه باعترافه لا يصلح للخلافة والإمامة .
قال قدّس سرّه : « ولقول عمر : خ خ كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّه شرّها ، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه » يعني : بيعة أبي بكر لم تكن واقعة على سبيل الإحكام والتأنّي بل وقعت من غير إحكام وتأنّ ، شبه الاستلاب والاختلاس ، وهذا الاستلاب استلاب عظيم وهو استلاب إمامة المسلمين فلا ريب في أنّ أوّل الجزاء فيه قتل المستلب ، فلذا قال : « فمن عاد إلى مثله فاقتلوه » .
قال قدّس سرّه : « وشكّ عند موته في استحقاقه الإمامة » .
وذلك أنّه لمّا حضرته الوفاة ، قال : يا ليتني كنت سألت رسول اللّه : للأنصار في هذا الأمر حق ؟ وقال أيضا : ليتني في ظلّ بني ساعدة ضربت يدي على يد أحد الرجلين فكان هو الأمير وكنت الوزير . وهذا كلّه يدلّ على ارتيابه واضطرابه في كونه صالحا لمقام إمامة الأمّة ، وذلك الارتياب والشك ينافي التقمّص بالإمامة والخلافة .
قال قدّس سرّه : « وخالف الرّسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : في الاستخلاف عندهم ، وفي تولّيه من عزله ، وفي التخلّف عن جيش أسامة مع علمهم لقصد البعد ، ولى أسامة عليهم فهو أفضل ، وعليّ لم يولّ
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة مع شرح الشيخ محمد عبده ، ج 1 ، ص 32 .