وأيضا فقوله تعالى :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ
« 1 » يدلّ على مماثلتهم لسائر الناس فيما يرجع إلى البشريّة والامتياز بالوحي لا غير ، فلا يمتنع صدور الذنب عنهم كما عن سائر البشر » « 2 » .
المسألة الثالثة : في أنّ الإمام يجب أن يكون أفضل من غيره
قال قدّس سرّه : « وقبح تقديم المفضول معلوم ، ولا ترجيح في المساوي » .
أقول : قد تقدّم البرهان على استقلال العقل بالحكم بحسن الأفعال وقبحها ومن مصاديق هذه القاعدة قبح تقديم المفضول على الفاضل ، ولا سيّما في منصب الإمامة فإنّ الغرض من نصبه للإمامة قدوته للأمّة قولا وفعلا ، فمع كونه مفضولا ، يكون محتاجا إلى الاقتداء والاهتداء بالفاضل ، وهذا مناف لما هو الغرض من نصبه .
وبعبارة أخرى إذا دار أمر الاقتداء والاتّباع بين الهادي إلى الحق وبين من لا يهتدي إلّا بالغير ، يحكم العقل - بالضرورة - بوجوب اتّباع من يهدي إلى الحق ، وهذه هي الحجة العقليّة لقّنها اللّه سبحانه وتعالى نبيّه الأكرم صلّى اللّه عليه وآله بقوله :
أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
« 3 » .
فإنّه تعالى قد استنطق العقل الحاكم - المركوز في فطرته وجوب اتّباع الحق على الإطلاق من غير قيد ولا شرط - على أنّ الهادي إلى الحق واجب الاتّباع لما عنده من الحق ، أم من لا يهتدي إلّا بالغير ؟ ! والجواب بما هو بيّن ومرتكز في العقل الفطري السليم ، لا يحتاج إلى البيان ، فإنّ من البديهيّ الفطري وجوب اتّباع من يهدي إلى الحق دون من لا يهتدي إلّا أن يهدى بالغير ، وأنّ من قال بالعكس ، فهو منحرف الفطرة ، ومستحق للّوم والتوبيخ بقوله :
فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
.
فالقائل بتقديم المفضول المهتدي بالغير منحرف الفطرة مستحق للتقبيح واللوم في محكمة العقل السليم ؛ فإنّه يحكم بداهة بوجوب اتّباع من يهدي إلى الحق ويهتدي بنفسه لا
هامش
( 1 ) . الكهف ( 18 ) : 110 .
( 2 ) . شرح المواقف ، ج 8 ، ص 280 - 281 .
( 3 ) . يونس ( 10 ) : 35 .