وهذا اعتراف منه بالعجز عن إغواء عباد اللّه الّذين أخلصهم لنفسه وأدخلهم في ولايته فهم مستغرقون فيه عزّ وجلّ ، فلا يرون إبليس وذريّته ، فلا تبلغهم وسوسته وإلى ذلك يومئ الحديث القدسي : « أوليائي تحت قبابي » فيأسه - لعنه اللّه - من إغوائهم لكونهم - صلوات اللّه عليهم - تحت تلك القباب .
فتحصّل أنّ موهبة العصمة من اللّه واهب العطايا لنبيّ أو إمام هو إعطاء العلم الراسخ إيّاه يصدر عنه أفعاله الاختياريّة صوابا وطاعة وهو في حوزة ولاية اللّه تعالى الّذي يصرف السوء والفحشاء عنه ، وقد عرّف سبحانه وتعالى المخلصين عليهم السّلام بالعلم والولاية بقوله :
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ
« 1 » .
فيوسف عليه السّلام كان برهان الربّ تعالى مشهوده وهو العلم الذي لا يخالطه جهل ، وكان اللّه بجميع جنوده وليّه ومدبّر أموره ، فيصرف عنه السوء والفحشاء ، وكلّ ذلك لأنّه من عباده المخلصين ، فتبيّن أنّه لا ينافي العصمة القدرة .
وهناك أقوال :
قال في المواقف : « وهي عندنا أن لا يخلق اللّه فيهم ذنبا ، وعند الحكماء ملكة تمنع عن الفجور ، وتحصل بالعلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات ، وتتأكّد بتتابع الوحي بالأوامر والنواهي والاعتراض على ما يصدر عنهم من الصغائر ومن ترك الأولى ، فإنّ الصفات النفسانية تكون أحوالا ثم تصير ملكات بالتدريج .
وقال قوم : تكون خاصيّة في نفس الشخص أو في بدنه يمتنع بسببها صدور الذنب عنه .
ويكذّبه - أي هذا القول - أنّه لو كان صدور الذنب كذلك يعني ممتنعا ، لما استحقّ المدح بذلك .
وأيضا فالإجماع على أنهم مكلّفون بترك الذنوب مثابون به ، ولو كان الذنب ممتنعا عنهم ، لما كان كذلك .
هامش
( 1 ) . يوسف ( 12 ) : 24 .