وهو امتثاله في أوامره ونواهيه واتّباع ما يفعله .
ورابعها : أنّه لو أقدم على المعصية ، لكان أقلّ درجة من العوامّ ؛ لأنّه بمقتضى إمامته أعرف بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات ، فصدور المعصية منه أقبح من العوامّ .
أقول : البرهان القائم على وجوب نصب الإمام هو البرهان على عصمته ، فوجوب نصبه ووجوب عصمته صنوان نابتان من أصل واحد ، فتذكّر .
قال قدّس سرّه : « ولا ينافي العصمة القدرة » .
تقدم في البحث عن عصمة النّبي إشارة إلى حقيقة العصمة ، وأنّ كونه معصوما ليس بمعنى أنّه مقهور على الصّواب والطاعة وممتنع عليه الخطأ والعصيان ، وقلنا : ذلك بيّن البطلان بل حقيقة العصمة والعدالة ليست إلّا العلم الراسخ في النفس . وهنا أقول إجمالا في تقريره :
إنّ الأفعال الاختياريّة الصادرة منّا تختلف سهولة وصعوبة ، فمنها : ما يصدر بسهولة إذا وافق خلقا . ومنها : ما يصدر بصعوبة إذا خالفه خلق أو لم يكن مصدره خلقا من سنخه والسبب الوحيد فيه هو قوة العلم وضعفه ورسوخه في نفس الفاعل وعدم استقراره فيها ؛ فإنّ الفاعل المختار لا ينقطع عن الفعل الّذي بيده إلّا بانقطاع الإرادة مع فرض الشروط الأخر من صلاحية الآلة وقابليّة المادّة المتعلّقة بفعله ، والإرادة لا تسقط إلّا بعد سقوط العلم الّذي كان مبدأ لها ، والعلم الذي هو المبدأ هو العلم بكون ذلك الفعل واجبا مطلقا ؛ فإنّ البرهان يؤدّي إلى أنّ الفعل الصادر حيث كان ممكنا لا بدّ له من الوجوب من قبل علّته ، فإذا رسخ مثل هذا العلم في مورد العبوديّة بامتثال الأوامر الإلهية والاجتناب عن نواهيه بمعنى رسوخ العلم رسوخا تامّا بوجوب الجري على هذه الوتيرة لم يصدر عن مثل هذا الإنسان إلّا الطاعة والانقياد .
هذا ، وإنّ الأنبياء والأئمّة الطاهرين - صلوات اللّه عليهم - هم الذين يئس إبليس - لعنه اللّه - من إغوائهم ؛ قال تعالى حكاية عنه حين رجم وأنظر :
قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
« 1 » .
هامش
( 1 ) . ص ( 38 ) : 82 - 83 .