والحاصل أنّ أمد الشريعة الخاتمة لا منتهى له وفي ذلك الأمد نفوس متعاقبة الحدوث لم تكمل بعد وأحكام لم تبيّن ولم تبلّغ وإن كانت أصولها مشرّعة ، ولكن لم تأت ظروف تلك الأحكام وتكميل تلك النفوس فليس من المعقول أن يترك الناس سدى والحالة هذه ، والناس كلّهم في شمول هذا اللّطف وسنة التكميل شرع سواء ، فيجب عليه - جلّت عظمته - أن يختار لهم من يكمل الشريعة بالتبيين والتفصيل وتطبيق الأصول على فروعها ، ويزيل الشبهات ببيانه ، ويحفظ الدّين الحنيف بسيفه وسنانه ، ويقيم الأمت والعوج بيده ولسانه ، ويقاتل دون التأويل كما كان يقاتل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم دون التنزيل ، وبهذا عرّف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام بقوله : « إنّ فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله . قال أبو بكر : أنا هو يا رسول اللّه ؟ قال : لا . قال عمر : أنا هو يا رسول اللّه ؟ قال : لا . لكن خاصف النعل » « 1 » وقد أخرجه جمع من الحفاظ ، وصحّحه الحاكم ، والذهبي ، والهيثمي .
فالّذي يعتقد الشيعة الإمامية أنّ الإمامة والخلافة عن النبيّ الأكرم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هي إمرة إلهية صنو النبوّة إلّا أنّ النّبي اختصّ بالتشريع والتنزيل ، والإمام بالتبليغ وتكميل الشريعة بالبيان والتأويل فعلى البارئ الحكيم الرؤوف الرحيم أن لا يجعل لأحد من خلقه الخيرة فيها فإنّ الغالب على خيرة الخلق الخطأ ألا ترى إلى خيرة موسى - على نبيّنا وآله وعليه الصلاة والسلام - من الآلاف من قومه سبعين رجلا وأنّهم لمّا بلغوا الميقات ، قالوا :
أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً
« 2 » ؟ فإذا كان هذا شأن خيرة موسى الكليم ، فما ظنك بخيرة أفراد متعارفة ؟ وعن مثل ذلك أفصح قوله عزّ وجلّ :
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
« 3 » في الأمر وقوله - سبحانه - :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
« 4 » .
قال قدّس سرّه : « والمفاسد معلومة الانتفاء ، وانحصار اللطف فيه معلوم للعقلاء ، ووجوده لطف ، وتصرّفه لطف آخر ، وعدمه منّا » .
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 32 ، ص 296 ، ح 256 .
( 2 ) . النساء ( 4 ) : 153 .
( 3 ) . القصص ( 28 ) : 68 .
( 4 ) . الأحزاب ( 33 ) : 36 .