تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠

الباب التاسع في تفصيل مقالات الجهمية وبيان فضائحهم

وهم أتباع جهم بن صفوان « 1 » وكان من مذهبه أن لا اختيار لشيء من الحيوانات في شيء مما يجرى عليهم فإنهم كلهم مضطرون لا استطاعة لهم بحال ، وأن كل من نسب فعلا إلى أحد غير اللّه فسبيله سبيل المجاز ، وهو بمنزلة قول القائل سقط الجدار ، ودارت الرحى ، وجرى الماء ، وانخسفت الشمس ، وهذا القول خلاف ما تجده العقلاء في أنفسهم لأن كل من رجع إلى نفسه يفرق في نفسه بين ما يرد عليه من أمر ضروري لا اختيار له فيه وبين ما يختاره ويضيفه إلى نفسه . كما أن كل عاقل يفرق بين كل حركة ضرورية كحركة المرتعش ، وحركة المختار ، يجد العاقل في نفسه فرقا بينهما . ومن أنكر هذه التفرقة لم يعد من العقلاء . وكل ما ورد في القرآن من قوله يعملون ، ويعقلون ، ويكسبون ، ويصنعون حجة عليهم . وكذلك قوله تعالى :
كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
« 2 » ولو لم يكن للعبد اختيار كان الخطاب معه محالا ، والثواب والعقاب عنه ساقطين كالجمادات فقد رد اللّه على الجبرية والقدرية في آية واحدة حيث قال :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
« 3 » معناه وما رميت من حيث الخلق إذ رميت من حيث الكسب ، ولكن اللّه رمى من حيث الخلق والكسب . خلقه خلقا لنفسه كسبا لعبده فهو مخلوق للّه تعالى من وجهين . ومن ضلالات جهم قوله : أن الجنة والنار تفنيان كما تفنى سائر الأشياء . ومن ضلالاته قوله : أن علم اللّه تعالى حادث ، وأنه لا يعلم ما يكون حتى يكون . وكان يقول : إن اللّه تعالى لا يوصف بشيء مما يوصف به العباد فلا يجوز أن يقال في حقه أنه حي ؛ أو عالم ، أو مريد ، أو موجود ، لأن هذه صفات تطلق
هامش
( 1 ) هو الراسبي الزائع . وتفصيل أحواله في لفت اللحظ إلى ما في الاختلاف في اللفظ ، وقوله في خلق القرآن والجبر ونفى العلم بالمتجددات ، ونفى الخلود مثار فتن عند كثير من الزائغين قتل سنة 128 ه . ( 2 ) سورة المدثر 38 . ( 3 ) سورة الأنفال 17 .
التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين — صفحة 90 | ابو المظفر الاسفرايني