واقتدى في ذلك بقول الباطنية حيث قالوا : أن الصانع لا معدوم ولا موجود ، وما من ثابت إلا وهو في الحقيقة موجود ، إذ لا واسطة بين العدم والوجود ، ولو ثبت بينهما واسطة لجاز أن يخرج الشيء من العدم إلى الثبوت . ثم من الثبوت إلى الوجود كما جاز أن يخرج من القيام إلى القعود ، ثم من القعود إلى الاضطجاع إذ كان القعود واسطة بين الطرفين .
ومن ضلالاته قوله : أن الطهارة ليست بواجبة وكان يقول تجوز الطهارة بماء مغصوب ، ولا تجوز الصلاة في أرض مغصوبة ، وكان يفرق بينهما بأن الطهارة غير واجبة والصلاة واجبة . وهذا القول منه خلاف إجماع الأمة . ثم كان يستدل على أن الطهارة ليست بواجبة لجواز أن يطهر غيره وهو صحيح ثم كان يرتب على هذا فيقول : أن الوقوف بعرفة ، والسعي والطواف ، ليست بواجبة لأن مشى دابته في جميع ذلك ينوب عن مشيه . ويلزم على هذا أن يقول إن الزكوات والكفارات كلها ليست بواجبة لجواز أدائها بالوكلاء والنائبين . وهذا القول كفر منه خالف فيه جميع الأمة . وكان مع ارتكابه هذه البدع يكفر المعتزلة ، ويتبرأ منهم ، حتى كان يكفر أباه وتبرأ منه ، ولم يأخذ ميراثه بعد موته لتكفيره إياه وتبريه منه . وكان سائر المعتزلة يكفرونه أيضا . وحالهم في هذا المعنى كما وصفه اللّه تعالى من حال الكفار حيث قال :
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ
« 1 » .
ومما يكشف عن افتضاحهم في مذاهبهم وتبرؤ بعضهم من بعض ما حكاه أصحاب المقالات من أن سبعة من رؤوس القدرية اجتمعوا في مجلس واحد وتناظروا في أن اللّه تعالى هل يقدر على ظلم وكذب يختص به ، فافترقوا من هذا المجلس وكل منهم كان يكفر الباقين . وذلك لأن النظام سئل في ذلك المجلس عنه فقال :
انه ليس بقادر على ذلك إذ لو قدر عليه لم يأمن أن يقع منه ظلم أو كذب فيما مضى أو يقع ذلك في المستقبل ، أو وقع أو يقع ذلك في طرف من أطراف الأرض : فقال له على الأسوارى « 2 » : ينبغي على هذه العلة أن لا يقدر على خلاف المعلوم . والمخبر عنه فقال : هو لازم فما تقول أنت ؟ فقال الأسوارى أنا أقول أنه لا يقدر على
هامش
( 1 ) سورة البقرة 166 .
( 2 ) هو من الطبقة السابعة من المعتزلة صحب أبا الهذيل والنظام ، وكان من رجال منتصف القرن الثالث .