غير أن التوفيق أعز من أن يناله أهل الشقاق والعصبية ، وفضائحهم أفظع وأكثر من أن يمكن جمعها في مثل هذا الكتاب ، وقد جمعنا في تفصيلها كتبا تشتمل على معظمها وعاداتهم التنقل في أباطيلهم ، وتكفير بعضهم لبعض في أقاويلهم .
واعلم أن جميع ما ذكرناه من مقالاتهم الشنيعة ومذاهبهم الفظيعة لا يخفى على العاقل فسادهم إذا صرف الهمة إلى تأملها ، ومن أفظع ما ينتحلونه نسبتهم التقدير إلى أنفسهم لا إلى صانعهم ، ، وقد ورد في ذمهم أخبار كثيرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا » « 1 » . وفي رواية « القدرية والمرجئة لعنتا على لسان سبعين نبيا » « 2 » . وقال وهب بن منبه « 3 » أنزل اللّه تعالى على رسله كتبا كثيرة أكثر من نيف وتسعين كتابا . فقرأت منها ثمانين كتابا فوجدت في جميعها أن كل من جعل إلى نفسه أمرا أو شيئا من المشيئة فهو كافر باللّه تعالى .
وروى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « القدرية مجوس هذه الأمة » « 4 » . وإنما شبههم بالمجوس لأن المجوس ينسبون بعض التقدير إلى يزدان « 5 » وبعضه إلى أهرمن « 6 » وهم اسم الشيطان . فأثبتوا تقديرا في مقابلة تقدير الباري جل جلاله . وقالوا بجواز حصول أحد التقديرين دون الآخر . فكذلك القدرية أثبتوا تقديرين . أحدهما للرب تبارك وتعالى . والآخر للعبد ، وجعلوا أحد التقديرين في مقابلة الآخر ، وجوزوا حصول أحد التقديرين دون الآخر ، وزعموا أن تقدير الرب يصير ممنوعا منه تقدير العبد . ثم زادوا على المجوس . وذلك أن المجوس جعلوا في مقابلة تقديره واحدا ، وهم جعلوا في مقابلة تقديره تقدير جميع الحيوانات من الآدمي ، وغير الآدمي حتى البقة ، والبعوضة ، والنملة ، والنحلة ، والسمكة ، والدودة ، وقالوا : تقدير الدودة يحصل ، وتقدير القدير سبحانه لا يحصل . فإن الدودة تمنعه بتقدير نفسها عن
هامش
( 1 ) أخرجه الطبراني في الأوسط وفي سنده محمد بن الفضل بن عطية المروزي متروك الحديث كذبه غير واحد .
( 2 ) أخرجه الطبراني في الكبير بسند فيه بقية - وأحاديثه غير نقية - وفيه أيضا مجهول .
( 3 ) هو يماني من مصادر الإسرائيليات أخرج له البخاري ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، قيل قتله يوسف بن عمر الثقفي سنة . 11 ه .
( 4 ) أخرجه أبو داود وفي سنده جعفر بن الحارث . قال البخاري منكر الحديث ، وذكر الصغاني الحديث في الموضوعات .
( 5 ) هو إله الخير عند المجوس .
( 6 ) هو إله الشر عند المجوس .