الظلم والكذب ولا يقدر على خلاف المعلوم فقال له النظام : هذا الّذي تقول كفر وإلحاد ، ثم قال له أبو الهذيل ما تقول في فرعون « 1 » ، وفي كل من علم اللّه أنه لا يؤمن ، أو أخبر عنه أنه لا يؤمن إن قلت أنه لم يكن مقدورا لهم أن يؤمنوا لزمك تكليف ما لا يطاق وأنت لا تقول به ، وإن قلت إنه كان مقدورا لهم كان محالا لأنه يؤدى إلى أن يكون العبد قادرا على تجهيله وتكذيبه ، تعالى اللّه عن قولهم . فقالوا له هذا الجواب لازم فما تقول أنت ؟ فقال : أنا أقول أنه قادر على أن يظلم ويكذب ، وقادر أيضا على خلاف المعلوم . فقال له : أرأيتك لو ظلم وكذب . فقال : أنه محال منه . فقالوا له : ما كان محالا لا يكون مقدورا . فتحير هؤلاء الثلاثة ولم يدروا كيف سبيل الجواب فقال بشر بن المعتمر « 2 » كل ما أنتم عليه فهو تخليط .
فقالوا له فايش تقول أنت ؟ هل يقدر على أن يعذب طفلا ليس له ذنب ؟ فقال :
يقدر فقالوا : فلو عذبه كيف يكون حكمه . قال : يكون الطفل عاقلا ، بالغا ، عاصيا ، مستحقا للعقاب ، ويكون الباري عادلا بتعذيبه . فقالوا له كيف يكون الطفل بالغا ، وكيف يكون من فعل الظلم عادلا به ؟ فتحير . فقال له المدار منهم أخذتم على أستاذي بشر شيئا منكرا مستفظعا ولكن يجوز أن يغلظ الأستاذ . فقال له بشر فما تقول أنت ؟ قال أقول : أنه قادر على الظلم والكذب . ولو وجد ذلك منه كان إلها ظالما كاذبا . فقالوا له : ومن كان بهذه الصفة هل يكون مستحقا للشكر والعبادة ، أو يكون مذموما ؟ فقال لا يكون مستحقا للشكر والعبادة لا يكون إلها .
فتحير . فقال زعيم من زعمائهم يقال له الأشج « 3 » أنا أقول أنه قادر على أن يظلم ويكذب ، ولكنه إن ظلم وكذب كان عادلا صادقا . فقال الإسكافى كيف ينقلب الظلم عدلا ؟ والكذب صدقا ؟ فتحير . فقال له ما تقول أنت ؟ فقال : أنا أقول إن ظلم أو كذب لم تكن عقول العقلاء موجودة في تلك الحالة فلا يتوجه عليه المذمة
هامش
( 1 ) لقب من يتولى ملك مصر في القديم . وفي اسم فرعون موسى عليه السلام اختلاف .
( 2 ) صاحب الأراجيز المعروفة له أربعون ألف بيت في مذهبه ، أخذ الاعتزال عن عمرو بن عبيد وبشر بن سعيد صاحبي واصل ؛ حبسه الرشيد ثم أطلقه حيث قيل له أن ما يقوله في الحبس من الشعر ويذيع بين الناس أضر . ومنه انتشر الاعتزال ببغداد توفى سنة 210 ه .
( 3 ) من زعماء المعتزلة معاصر لبشر بن المعتمر .