منها : أن شيخ أهل السنة أبا الحسن الأشعري رحمه اللّه تعالى « 1 » سأله يوما عن حقيقة الطاعة فقال له : هي موافقة الإرادة . فقال له : هذا يوجب أن يكون اللّه تعالى مطيعا لعبده إذا أعطاه مراده ؟ فقال نعم يكون مطيعا ؟ « 2 » وخالف الإجماع بإطلاق هذا اللفظ . لأن المسلمين اجمعوا قبله على أن من قال إن الباري سبحانه مطيع لعبده كان موصوفا بالكفر في عقده ، ولو جاز أن يقال أنه لعبده مطيع لجاز أن يقال أنه لعبده خاضع وخاشع .
ومنها : أنه كان يقول إن أسماء الباري تعالى يجوز أن تؤخذ قياسا ، ويجوز أن يشتق له من أفعاله اسما لم يرد به السمع ولم يأذن فيه الشرع حتى قيل له يجوز أن يسمى محبل النساء ؟ قال : نعم . وهذه بدعة شنيعة فضيحة .
ومنها أنه كان يقول : إن العرض الواحد يجوز أن يكون في محال كثيرة .
وذلك أنه كان يقول : أن الكلام يكتب في محل فيكون عرضا موجودا فيه ، ثم يكتب في محل ثان فيصير أيضا موجودا فيه ، ومن غير أن ينتقل من المحل الأول أو يعدم فيه .
ومنها أنه كان يقول : إن اللّه تعالى ليس بقادر على أن يفنى شيئا من أجسام العالم بانفراده ، ولكنه إن شاء أفنى العالم بفناء يخلقه لا في محل فيفنى به جميع العالم . وهذا القول منه يوجب تخصيص قدرة الباري ببعض المقدورات وفيه التنبيه على صحة التثنية ويجوز كون الفناء لا في محل فناء للقديم تخصيصا لما وجد ، لا في محل بما وجد ، لا في محل كما خصوا الإرادة الحادثة ، لا في محل بالقديم سبحانه لأنه لا في محل .
هامش
( 1 ) هو إمام أهل السنة أبو الحسين علي بن إسماعيل الأشعري نشأ في الاعتزال ، ثم هداه اللّه إلى الحق فقام بالذب عن معتقد أهل السنة في عهد استفحال شرور المعتزلة ، والحشوية كما شرحت ذلك في مقدمة تبيين كذب المفترى لابن عساكر . توفى سنة 324 ه وقال ابن الأثير سنة 332 ه .
( 2 ) ما أشبه هذا بقول معضد بن يزيد العجلي المخضرم ( نعم المرء ربنا لو أطعناه لما عصانا ) من غير ملاحظة مؤدى كلامه فاستنكره ابن مسعود رضى اللّه عنه جد الاستنكار كما في الأسماء والصفات للبيهقي . وليس للجهل آخر .