تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
والملامة لعدم وجود عقل عاقل ينكره عليه ، فقال جعفر بن حرب « 1 » كأنه يقول أنه قادر على ظلم المجانين . ولا يقدر على ظلم العقلاء ، فتحيروا وصاروا كلهم منقطعين متحيرين . وكان كل واحد يعتقد أن أقوال الباقين كلها كفر . فلما انتهت زعامتهم إلى الجبائي ، وابنه أبى هاشم قالا جميعا هذه مسألة لا يمكن أن يجاب عنها . ورضيا بالجهل فيما يرجع إلى وصف الاعتقاد ، ولو وافقهم التوفيق لتمسكوا بمذهب أهل الحق ، وتركوا التردد من باطل إلى باطل ولم يتمردوا فيه كما تمردوا في مسألة العالم ، كانوا لا يزالون يترددون من باطل إلى باطل حتى انتهوا إلى القول بأحوال مجهولة ، واعترفوا بأنهم يهرفون بما لا يعرفون ، وينتحلون ما لا يعقلون ، وكما تمردوا على باطلهم في مسألة الرؤية حتى انتهى بهم الكلام إلى أن قالوا : إنه لا يسمع ، ولا يبصر ، ولا يرى نفسه ، ولا غيره ، كما حكيناه عن الكعبي ، وكما تمردوا في مسألة خلق الأفعال . حتى وصل بهم إلى أن قالوا بخالقين كثيرين زائدين على ألف ألف ، وزادوا في ذلك على المجوس ، والثنوية من وجهين . أحدهما : أن المجوس والثنوية قالوا : بخالقين اثنين . وهم بخالقين لا يحصرون . والثاني : أن الثنوية والمجوس لم ينفوا كون الباري سبحانه خالقا . وهؤلاء الذين قالوا أن العبد يسمى خالقا ، والباري سبحانه لا يجوز أن يسمى خالقا . خالفوا به إجماع هذه الأمة ، وكما تمردوا في مسألة القرآن حتى أدى بهم القول إلى أن قالوا : إنه يخلق كلاما في محل فيكون متكلما بما خلقه في ذلك المحل ، فلزمهم بذلك أن لا يكون هو آمرا ولا ناهيا . وأن يكون الأمر والنهى لذلك المحل ، وأن لا يكون للّه تعالى على عبده شرع ولا تكليف . وكما تمردوا في مسألة التعديل والتجوير أنه واجب عليه أن يخلق بعض مقدوراته ، وحرام عليه أن يفعل بعضها . فرتبوا عليه شريعة في الواجب والمحظور أعظم مما رتبه على عبيده . لأنهم زعموا أنه لو خالف في شيء مما وجب عليه أو هو محظور عليه خرج من الحكمة وسقط به عن منزلة الإلهية ، والعبد وإن خالف في شيء مما شرع له لم يسقط عن منزلة العبودية ، وإن توجه عليه نوع من العقوبة ولو أنهم بدل ما تلبسوا به من العنت والتمرد راجعوا مذهب أهل الحق سلموا عن هذه البدع .
هامش
( 1 ) من الطبقة السابعة من المعتزلة أخذ عن أبي الهذيل وتوفى بعد سنة 230 ه .