في تكفيره ، فمن وقف من حاله على هذا القدر الّذي وصفناه استغنى به عن ذكر سائر فضائحه ، ونسأل اللّه تعالى العصمة من كل بدعة .
الفرقة الخامسة : منهم الاسوارية
وهم أتباع على الاسوارى « 1 » وكان من أتباع النظام موافقا له في جميع ما ذكرناه من فضائحه وضلالاته ، وزاد عليه بأن قال : إن ما علم اللّه تعالى أن لا يكون لم يكن مقدورا للّه تعالى . وهذا القول منه يوجب أن تكون قدرة اللّه تعالى متناهية ، ومن كانت قدرته متناهية كانت ذاته متناهية ، والقول به كفر من قائله .
الفرقة السادسة : منهم المعمرية
اتباع معمر بن « 2 » عباد وكان رأسا من رؤوس الضلال والإلحاد وكان يقول : إن اللّه تعالى لم يخلق من الأعراض من لون ، أو كون ، أو طعم ، أو رائحة ، أو حياة ، أو موت ، أو سمع ، أو بصر ، وأنه لم يخلق شيئا من صفات الأجسام . وهذا خلاف قوله تعالى :
قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
« 3 » وخلاف قوله تعالى في صفة نفسه :
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
« 4 » وكان يقول هذا الملحد : إن اللّه تعالى خلق الأجسام بفعل الأعراض بطبائعها . فقوله يوجب أن لا يكون للّه تعالى كلام ؛ ولا نهى لأنه لا يقول كلام اللّه تعالى أزلي كما يقوله أهل السنة ، ولا يقول أنه مخلوق للّه تعالى لأن عنده أنه لم يخلق الأجسام وأنه لم يخلق ما ليس بجسم .
ومن بدعه أنه كان يقول : ليس الإنسان الصورة التي شاهدناها وإنما هو شيء في هذه الصورة عالم ، قادر ، مختار ، يدبر التدبير ، لا متحرك ، ولا ساكن ، ولا متلون ، ولا مرئى ، ولا مدرك بالذوق ، والشم ، ولا بشيء من الحواس ، وأنه ليس في مكان دون مكان ولم يذكر هذا إلّا من يصف الإنسان بصفات خالقه ، ومن لا يطلق عليه ما لا يطلقه على خالقه . ويلزم على هذا القول أن لا يكون في الدنيا من رأى إنسانا قط . وهذا يوجب أن يقال أن الصحابة لم يروا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وإن أحدا لم ير نفسه ، ولا أباه ، ولا أمه ، ولا يراه غيره ؛ ومن كان هذه مقالته لم يكن معدودا في جملة العقلاء ، وأعجب من ذهابه إلى هذه المذاهب الفاحشة افتخار
هامش
( 1 ) من أصحاب أبي الهذيل والنظام .
( 2 ) من طبقة أبى الهذيل .
( 3 ) سورة الرعد 16 .
( 4 ) سورة الحديد 2 .