تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
وكان في حداثة سنه يصحب الثنوية والسمنية الذين يقولون بتكافؤ الأدلة ، وفي حال كهوليته كان يصحب ملحدة الفلاسفة ، وكان قد أخذ منهم قولهم بأن أجزاء الجزء لا تتناهى ، ولا يزال يمكن أن يفصل من الخردلة الواحدة شيئا بعد شيء ، ما لا ينتهى إلى جزء واحد لا جزء له ، ولزمه على هذا قدم العالم . وهذا ركوب منه ما ما لا يقبله عقل أصلا . إذ لو كان يمكن أن يفصل من الخردلة من الأجزاء ما لا يتناهى وكان ممكنا ذلك في الجبل العظيم بطل الفرق بينهما ، ولا يمكنه أن يعتذر عنه بأن الأجزاء المفصولة من الجبل تكون أعظم من المفصولة من الخردلة ، لأن الخردلة إذا كان يمكن أن يفصل عنها ما لا يتناهى فلا يزال يفصل منها ويجمع حتى يتركب ويتراكم ويصير مثل الجبل وأضعافه ، وكلمه أبو الهذيل في هذه المسألة فقال : لو كان كل جزء من الجسم لا نهاية له لكانت النملة إذا دبت على البقلة لا تنتهى إلى طرفها ، فقال : إنها تطفر بعضا ، وتقطع بعضا ، وهذا منه كلام لا يقبله عقول العقلاء . لأن ما لا يتناهى كيف يمكن قطعه بالطفرة ، فصار قوله هذا مثلا سائرا يضرب لكل من تكلم بكلام لا تحقيق له ولا يتقرر في العقل معناه . ومن فضائحه قوله : يجب على اللّه تعالى أن يفعل بالعبد ما فيه صلاح العبد ، لأنه لو لم يفعل به ما فيه صلاحه لكان قد بخل عليه . وركب على هذا فقال : كل ما فعله اللّه بالكفار فهو صلاحهم ، ولم يكن في مقدوره أصلح مما فعل . وقد بينا نحن أن الوجوب على اللّه تعالى محال ، وكل عاقل يعلم أن الكافر لا صلاح له في كفره ، ولا ما يحل به من تبعات فعله ، فعلى هذا يجب أن يكون حجة اللّه منقطعة حتى لا يكون له على عبيده حجة ، ويصور ذلك في ثلاثة ولدوا دفعة واحدة بطنا واحدا ؛ فأمات اللّه أحدهم في حال الطفولية ، وبلغ منهم اثنان فكفر أحدهما ، وآمن آخر ، فيدخل اللّه يوم القيامة في الجنة من مات في حال الطفولية ، ولا يبلغه منها الدرجة العظيمة ، ويدخل الّذي آمن الجنة ويعطيه الدرجة العظيمة ، ويدخل الّذي كفر النار . فيقول الطفل الّذي مات في صغره : لم لم تبلغني درجة الّذي آمن بعد البلوغ ؟ فيقول له : لأنه آمن وأنت لم تؤمن . فيقول الّذي مات طفلا : هلا بلغتني حال البلوغ حتى كنت أؤمن بك كما آمن هو ؟ فيقول اللّه تعالى له : لم أبلغك حال البلوغ لأنى علمت أنك لو بقيت لكفرت فاخترمتك قبل البلوغ لأن صلاحك كان فيه حتى سلمت من النار . فإذا سمع الّذي في النار هذا الكلام