القول إلا كما نهى إبراهيم الخليل عليه السلام أباه عن عبادته حين قال :
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
« 1 » .
ومما اتفقوا عليه من فضائحهم قولهم : إن كلام اللّه تعالى مخلوق له يخلق لنفسه كلاما في جسم من الأجسام فيكون فيه متكلما ، وأنه لم يكن متكلما قبل أن خلق لنفسه كلاما ، ليت شعري كيف يكون كلام المتكلم مسموعا من غيره ، ولو كان الأمر على ما قالوه لكان الأمر والنهى والشرع لذلك الجسم الّذي خلق فيه الكلام ، وذلك خلاف قوله تعالى :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
« 2 » .
وزعموا أن الكلام هو المكتوب في الصحف والمقروء بالألسنة غير الكلام الّذي نزل به جبريل على المصطفى عليهما الصلاة والسلام بل كان ذلك عرضا معلوما ، وهذا الّذي يتلى ويكتب عرض آخر وجد متجددا وهذا خلاف قول الأمة قبلهم .
ومما اتفقوا عليه قولهم : أن افعال العباد مخلوقة لهم ، وأن كل واحد منهم ومن جملة الحيوانات كالبقة ، والبعوض ، والنملة ، والنحلة ، والدودة ، والسمكة ، خالق « 3 » خلق أفعاله . وليس الباري خالقا لأفعالهم ولا قادر على شيء من أعمالهم ، وأنه قط لا يقدر على شيء مما يفعله الحيوانات كلها . ففعل الذباب ، والبقة ، والجراد ، أفعالا هي خالقة لها ، وليس الباري سبحانه قادرا عليها ، فأثبتوا خالقين لا يحصون ولا يحصرون ، حتى أن مذبة لو تحركت على دن من الخل تطاير عنها أكثر من ألف خالق أو قريبا منها . وقد فارقوا بهذه المقالة لسان الأمة ، فإن الأمة كلهم قبلهم كانوا يقولون لا خالق إلا اللّه كما يقولون لا إله إلا اللّه ، وخالفوا بهذا أيضا قوله سبحانه وتعالى :
أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ
هامش
( 1 ) سورة مريم 42 .
( 2 ) سورة النحل 40 .
( 3 ) وأول من ابتدع نسبة الخلق إلى المخلوق هو الجبائي من بين المعتزلة وتشغيباته في ذلك معروفة . وقال المسعودي في بيان مذهبهم في أفعال العباد : أنه تعالى لم يكلفهم ما لا يطيقونه ولا أراد منهم ما لا يقدرون عليه وإن أحدا لا يقدر على قبض ولا بسط إلا بقدرة اللّه التي أعطاهم إياها وهو الملك لها دونهم يفنيها إذا شاء ولو شاء لجبر الخلق على طاعته ومنعهم اضطراريا عن معصيته ولكان على ذلك قادرا غير أنه لا يفعل إذ كان في ذلك رفع للمحنة وإزالة للبلوى أه .