تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣

الباب الخامس في تفصيل مقالات المعتزلة القدرية وبيان فضائحهم

قد بينا قبل أنهم ينقسمون إلى عشرين فرقة . فمما اتفق عليه جميعهم من مساوى فضائحهم نفيهم صفات الباري « 1 » جل جلاله حتى قالوا : أنه ليس له سبحانه علم ، ولا قدرة ، ولا حياة ، ولا سمع ، ولا بصر ، ولا بقاء ، وأنه لم يكن له في الأزل كلام ، ولا إرادة ، ولم يكن له في الأزل اسم ، ولا صفة ، لأن الصفة عندهم هو وصف الواصف ، ولم يكن في الأزل واصف . والاسم عندهم التسمية . ولم يكن في الأزل مسمى . إذ لم يكن له كلام في الأزل عندهم وهذا يوجب أن لا يكون لمعبودهم اسم ولا صفة ، هذا قولهم في صانع العالم وبديهة العقل تقتضى فساده لإحاطة العلم باستحالة كون من لا علم له ، ولا قدرة له ، ولا سمع له ، ولا بصر له ، صانعا للعالم ، ومدبرا للخليقة ، ومما اتفق جميعهم غير الصالحي من فضائحهم قولهم : ان المعدوم شيء حتى قالوا : أن الجوهر قبل وجوده جوهر والعرض عرض ، والسواد سواد ، والبياض بياض ، ويقولون : إن هذه الصفات كلها متحققة قبل الوجود . وإذا وجد لم يزدد في صفاته شيء . بل هو الجوهر والعرض ، والسواد في حال الوجود على حقائقها المتحققة في حال العدم ، وهذا منهم تصريح بقدم العالم . ومن كان قوله في الصانع على ما وصفناه ، وفي الصفة عليما ذكرناه ، لم يبق له اعتقاد صحيح ، ولم يكن دعواه في التلبس بالديانة إلا تلبيسا منه على أهل الديانة ليسلم من سيوف المسلمين المسلطة عليهم إلى يوم القيامة . ومما اتفقوا عليه من فضائحهم قولهم : إن اللّه تعالى لا يرى ، وأنه لا يرى نفسه . وقال كثير منهم أنه لا يرى شيئا ولا يبصر بحال ، وليس معبودهم على هذا
هامش
( 1 ) والقول الفصل في هذا ورود إطلاق المشتقات عليه تعالى ، ولا يعقل ذلك بدون ثبوت مبدأ الاشتقاق له سبحانه وإنكار إطلاق الأسماء الحسنى عليه تعالى يكون كفرا لكن لا يوجد من ينكر ذلك بين فرق المسلمين سوى جهم . ومبدأ الاشتقاق أمر نسبى لا يوجد من ينفيه . ولذا قال القاضي عضد الدين في المواقف : ( لا ثبت في غير الإضافة ) وهذا يحد من نزاع القوم . والزامات المصنف على المعتزلة أشد من صنيع شيخه عبد القاهر الّذي يقول عنه بعض الباحثين أنه جارى في ذلك ( فضيحة المعتزلة ) للراوندي كما يظهر من انتصار الخياط .