الخوارج على مذهب المحكمة الأولى إلى أن ظهرت فتنة الأزارقة منهم ، فعند ذلك اختلفوا كما نذكره إن شاء اللّه تعالى .
الفرقة الثانية منهم : هم الأزارقة
وهم أتباع رجل منهم يقال له أبو راشد نافع ابن الأزرق الحنفي . ولم يكن للخوارج قوم أكثر منهم عددا ، وأشد منهم شوكة ، ولهم مقالات فارقوا بها المحكمة الأولى ، وسائر الخوارج : منها أنهم يقولون ، أن من خالفهم من هذه الأمة فهو مشرك ، والمحكمة كانوا يقولون إن مخالفهم كافرا ، ولا يسمونه مشركا ومما اختصوا به أيضا انهم يسمون من لم يهاجر إلى ديارهم من موافقيهم مشركا ، وإن كان موافقا لهم في مذهبهم . وكان من عاداتهم فيمن هاجر إليهم أن يمتحنوه بأن يسلموا إليه أسيرا من أسراء مخالفيهم وأطفالهم ويأمروه بقتله . ويزعمون أيضا أن أطفال مخالفيهم مشركون ، ويزعمون أنهم يخلدون في النار .
وأول من أظهر هذه البدع الزائدة على أولئك رجل منهم يدعى عبد ربه الكبير « 1 » وقيل عبد ربه الصغير ، وقيل عبد اللّه بن الوضين « 2 » وكان نافع بن الأزرق يخالفه حتى مات . ثم رجع إلى مذهبه وقد أطبقت الأزارقة على أن ديار مخالفيهم ديار الكفر ، وإن قتل نسائهم وأطفالهم مباح ، وأن رد أماناتهم لا تجب لنص كتاب اللّه تعالى حيث قال :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
« 3 » وزعموا أيضا أن الرجم لا يجب على الزاني المحصن ، خلافا لإجماع المسلمين وقالوا : أن من قذف رجلا محصنا فلا حد عليه ، ومن قذف امرأة محصنة فعليه الحد ، وقالوا : إن سارق القليل يجب عليه القطع ، وهذه بدع زادوا بها على جميع الخوارج
فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ
« 4 » وهذه الأزارقة غلبوا على بلاد الأهواز ، وأرض فارس ، وكرمان ، في أيام عبد اللّه بن الزبير حين بعث عاملا له على البصرة فأخرج سرية إلى قتالهم وهم ألف مقاتل فقتلهم الخوارج ، ثم بعث إليهم بثلاثة آلاف من المقاتلة فظفر الخوارج أيضا بهم ، فبعث
هامش
( 1 ) بايعه الخوارج الذين انشقوا من قطري بن الفجاءة كما تجد تفصيل ذلك في الكامل للمبرد .
( 2 ) من رؤوس الأزارقة مات في حدود سنة 60 ه .
( 3 ) سورة النساء 58 .
( 4 ) سورة البقرة 90 .