وذراريهم ، وكيف تحل مال قوم وتحرم نساءهم وذراريهم ، وقد كان ينبغي أن تحرم الأمرين أو تبيحهما لنا ، فاعتذر على رضى اللّه عنه بأن قال : أما أموالهم فقد أبحتها لكم بدلا عما أغاروا عليه من مال بيت المال الّذي كان بالبصرة قبل أن وصلت إليهم ، ولم يكن لنسائهم وذراريهم ذنب فإنهم لم يقاتلونا وكان حكمهم حكم المسلمين ، ومن لا يحكم له بالكفر من النساء والولدان لم يجز سبيهم واسترقاقهم ، وبعد لو أبحت لكم نسائهم من كان منكم يأخذ عائشة « 1 » في قسمة نفسه ؟ فلما سمعوا هذا الكلام خجلوا وقالوا : قد نقمنا منك سببا آخر وهو أنك يوم التحكيم كتبت اسمك في كتاب الصلح أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومعاوية « 2 » حكما فلانا ، فنازعك معاوية وقال لو كنا نعلم أنك أمير المؤمنين ما خالفناك ، فمحوت اسمك . فإن كان إمامتك حقا فلم رضيت به .
فاعتذر أمير المؤمنين ، وقال : إنما فعلت كما فعل النبي عليه السلام حين صالح سهيل بن عمرو « 3 » وكتب في كتاب الصلح . هذا ما صالح محمد رسول اللّه سهيل بن عمرو فقال له سهيل : لو علمنا أنك رسول اللّه ما خالفناك ، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك ، فأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى كتب : هذا ما صالح محمد بن عبد اللّه سهيل بن عمرو ، فقال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنك ستبتلى بمثله يوما » فالذي فعلته بإذنه واقتداء به . ثم قالت الخوارج له : لم قلت للحكمين إن كنت أهلا للخلافة فقررانى ، ولم شككت في خلافتك . حتى تكلمت بهذا الكلام ، ولو كنت شاكا لما أدعيت الخلافة . فقال على : إنما أردت أن أنصف الخصم ، وأسكن النائرة ، ولو قلت للحكمين أحكما لي لم يرض بذلك معاوية ، وهكذا فعل النبي صلى اللّه عليه وسلم مع نصارى نجران حين دعاهم إلى المباهلة فقال :
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ
« 4 » وهذا إنما قاله على سبيل الإنصاف لا على سبيل التشكيك ، وهو كقوله تعالى :
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ
هامش
( 1 ) أم المؤمنين رضى اللّه عنها توفيت سنة 57 ه .
( 2 ) هو ابن أبي سفيان من مسلمة الفتح توفى سنة 60 ه .
( 3 ) تولى أمر الصلح بالحديبية من جهة قريش ثم أسلم وحسن إسلامه رضى اللّه عنه توفى سنة 18 ه .
( 4 ) آل عمران 61 .