اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
« 1 » . ولهذا المعنى حكّم النبي صلى اللّه عليه وسلم سعد بن معاذ « 2 » في بني قريظة ؛ والحق في الحقيقة كان لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
ثم إن حكم رسول اللّه حكم بالعدل ، وحكمي الّذي حكمته خدع فكان من الأمر ما كان فلما سمعت الخوارج هذه الحجج القاطعة استأمن ثمانية آلاف منهم ، وثبت على قتاله أربعة آلاف منهم . فقال إلى الذين استأمنوا إليه منهم امتازوا اليوم منى جنبا ، وقاتل بمن كان معه وقال لأصحابه لما أراد أن يبتدئ القتال : لا يقتل منا عشرة ، ولا ينجو منهم عشرة ، واشتغلوا بالقتال فلم يقتل يومئذ من أصحاب على أكثر من تسعة أنفس ، وخرج حرقوص بن زهير في وجه على رضى اللّه عنه وقال : واللّه لا نريد بقتالك إلا وجه اللّه تعالى ، والنجاة في الآخرة فتلا عليه :
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا ، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
« 3 » ثم حمل عليهم وقتل عبد اللّه بن وهب في المبارزة ، والتحم القتال حتى لم يبق من جملة الخوارج إلا تسعة فوقع اثنان منهم إلى سجستان ، واثنان إلى اليمن ، واثنان إلى عمان ، واثنان إلى الجزيرة ، وواحد إلى ناحية الاكبار ، وخوارج هذه النواحي من أتباع هذه التسعة وأمر على رضى اللّه عنه أصحابه بطلب ذي الثدية فوجدوه قد هرب واستخفى في موضع فظفروا به ، وتفحصوا عنه فوجدوا له ثديا كثدي النساء . فقال على رضى اللّه عنه : صدق اللّه . وصدق رسوله ، وأمر بقتله فقتل . وقد كان مر على النبي صلى اللّه عليه وسلم ذو الثدية وهو يقسم غنائم بدر فقال له : أعدل يا محمد . فقال له عليه الصلاة والسلام : « خبت وخسرت إذا من يعدل ثم قال : « إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية » « 4 » .
هذه قصة المحكمة الأولى وهم يكفرون بتكفيرهم عليا ، وعثمان ، وتكفيرهم فساق أهل الملة ، ثم خرج بعدهم جماعة من الخوارج بأرض العراق فكان على رضى اللّه عنه يبعث إليهم السرايا ويقاتلهم إلى أن استأثر اللّه بروحه ، ونقله إلى جنته ، وبقيت
هامش
( 1 ) سورة سبأ 24 .
( 2 ) سيد الأوس صحابي جليل رضى اللّه عنه توفى سنة خمس ، اهتز العرش لوفاته .
( 3 ) سورة الكهف 103 و 104 .
( 4 ) أخرجه الشيخان وغيرهما بألفاظ متقاربة وعادة المصنف في الغالب رواية الحديث بالمعنى . راجع جمع الفوائد 2 / 288 .