الراشدين كانوا على الحق ، وأن جملة أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كانوا محقين ، مؤمنين ، مخلصين ، صادقين ، وكانوا تقديمهم لمن قدموه ، وتقريرهم من قرروه حقا وصدقا ، وكلهم كانوا يقولون لأبى بكر رضى اللّه عنه يا أمير المؤمنين ، وكانوا يخاطبون عمر ، وعثمان ، وعليا ، وكذلك على رضى اللّه عنه كان يخاطبهم بذلك وكان يخاطب بمثله في أيامه .
43 - وأن تعلم أن كل من تدين بهذا الدين الّذي وصفناه من اعتقاد الفرقة الناجية فهو على الحق وعلى الصراط المستقيم ، فمن بدعه فهو مبتدع ، ومن ضلله فهو ضال ، ومن كفره فهو كافر ، لأن من اعتقد أن الإيمان كفر ، وأن الهداية ضلالة ، وأن السنة بدعة ، كان اعتقاده كفرا وضلالة ، وبدعة وأصل هذا مأخوذ من قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من قال لأخيه المسلم يا كافر فقد باء به أحدهما » « 1 » فجاء من هذه الجملة إنا لا نبدع إلا من بدعنا ، ولا نضلل إلا من ضللنا ، ولا نكفر إلا من كفرنا ، وقد أنصف القارة من راماها « 2 » .
44 - وأن تعلم أن كل ما يجب معرفته في أصول الاعتقاد يجب على كل بالغ عاقل أن يعرفه في حق نفسه معرفة صحيحة صادرة عن دلالة عقلية لا يجوز له أن يقلد فيه ولا أن يتكل في الأب على الابن ، ولا الابن على الأب ، ولا الزوجة على الزوج ، بل يستوى فيه جميع العقلاء من الرجال والنساء ، وأما ما يتعلق بفروع الشريعة من المسائل فيجوز له أن يقلد فيه من كان من أهل الاجتهاد ، فإن في تكليف التعليم وتحصيل أوصاف المجتهدين علي العموم قطع الخلق عن المعاش ثم المعاد وما كان في إثباته سقوط غيره كان ساقطا في نفسه ، وقد ذكر اللّه تعالى الأصول والفروع ، فذم التقليد في الأصول وحث على السؤال في الفروع ، فأما مذمة التقليد في الأصول ففي قوله تعالى :
بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ
« 3 » وفي آية أخرى
« مُقْتَدُونَ »
وأما الحث على السؤال في الفروع ففي قوله تعالى :
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
« 4 » .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري عن أبي هريرة بلفظ « إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما » وفي المعجم للطبراني زيادة « إن كان الّذي قيل له كافرا فهو كافر وإلا رجع إلى من قال » .
( 2 ) مثل معروف في استفزاز غير البارع للبارع ، والقارة قبيلة معروفة بجودة الرمي .
( 3 ) سورة الزخرف 22 .
( 4 ) سورة النحل 43 .