الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ
« 1 » وقوله تعالى خبرا عنهم :
قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا
« 2 » وأراد به الأمانة عند الخروج من الدنيا والإحياء في القبر ثم الإماتة فيه ، ثم الإحياء يوم الحشر والنشر ، ولا يمكن حمله إلا على الأحياء بعد حلول الموت . والمواتيّة لا تسمى موتا في عرف أهل اللغة « 3 » ولا ينكر ما استفاض به الأخبار ونطقت به الآيات من الإحياء في القبر إلا من ينكر عموم قدرة اللّه تعالى ، ومن أنكر عموم قدرته سبحانه وتعالى خارجا عن زمرة أهل الإسلام .
40 - وأن تعلم أن الصراط حق ، والجنة والنار ، مخلوقتان ، وكل ذلك وارد في القرآن وفي الأخبار الظاهرة عن المصطفى صلى اللّه عليه وسلم على وجه لا يبقى شكا ولا شبهة لمن ترك العصبية ، وقد صرح اللّه تعالى بذكر النار والجنة ووجودهما واعدادهما للمؤمنين ، وانزال آدم عليه السلام في الجنة ثم إخراجه منها وإهباطه إلى الأرض ، وما ورد عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم أنه دخل الجنة ليلة المعراج ، ورأى فيها قصرا لعمر رضى اللّه عنه وقال لعمر : « ما منعني أن أدخله إلا غيرتك » « 4 » فبكى عمر رضى اللّه عنه وقال : أو عليك كنت أغار يا رسول اللّه ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : ( سمعت حسه فالتفت فإذا هو بلال » « 5 » وكان ذلك من صفات الموجودات ، فإن المعدوم لا يتصف بهذه الصفات ، ومن تأمل ما ورد من الآي ، والأخبار ، والآثار لم يستجز إنكاره .
41 - وأن تعلم أن الإجماع حق ، وما اجتمع عليه الأمة يكون محقا مقطوعا على حقيقته قولا كان أو فعلا لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا تجتمع أمتي على الضلالة » « 6 » ولو جاز اتفاقهم بأجمعهم على الكذب لجاز اتفاقهم على كتمان شيء من الشريعة ، ولبطل به الاعتماد على الدلالة الموصلة إلى التكاليف الشرعية ، ولسقط التكليف
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم 27 .
( 2 ) سورة غافر 11 .
( 3 ) هذا المعنى خلاف ما ترجح عند البيضاوي ويظهر أنه تابع صاحب الكشاف في ذلك على أن دليل عذاب القبر ليس بمنحصر في هذه الآية كما سبق .
( 4 ) أخرج أحمد والطبراني ما بمعناه عن أنس .
( 5 ) أخرجه أحمد عن ابن عباس .
( 6 ) ولفظ ابن ماجة « أن أمتي لا تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم » وورد معناه بألفاظ شتى . فيعلم من قول المصنف أن دعاة خرق الإجماع ليسوا من معتقد أهل السنة في شيء .