وذلك إلى ما لا يتناهى ، وأي عقل يقبل توجه الوجوب عليه ولا واجب إلا بموجب وليس فوقه سبحانه موجب .
37 - وأن تعلم أن اللّه تعالى بعث الرسل وأنزل الكتب وبين الثواب والعقاب وأيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم ، وأوجب على لسانهم معرفة التوحيد والشريعة . وكل ما قالوه فهو صدق ، وكل ما فعلوه فهو حق ، والعلم الدال على وصفهم ذلك قيام المعجزات الظاهرة الدالة على صدقهم ، وصحة قولهم . وقد أخبر عنه سبحانه أنه أوجب التوحيد والشريعة . وقد بين اللّه تعالى ذلك في كتابه جملة وتفصيلا ، فالجملة في قوله تعالى :
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ
« 1 » فأما التفصيل ففي مثل قوله تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً
« 2 » وقوله تعالى :
وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ
« 3 » وقوله تعالى
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ
« 4 » وقد نبه على الجملة أيضا في قوله :
وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ
« 5 » .
38 - وأن تعلم أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم رسول رب العزة جاءنا بالصدق في رسالته وفي جميع أفعاله وأقوله . وكان معجزته القرآن تلاه على الخلق وتحداهم إلى معارضته . وطلب الطاعة منهم وقال لهم متى أتيتم بسورة من مثله فلا طاعة لي عليكم . فاجتهد أهل اللغة في إسقاط طاعته عن أنفسهم وعن أموالهم وذراريهم فلم يمكنهم ، ولو أمكنهم أن يدفعوه عن أنفسهم وأموالهم وأهاليهم بكلام يأتون به لما قصدوا الحرب والمسايفة التي فيها القتل ، والأسر ، والاسترقاق ، والنهب ، والغصب والسلب ، في الذخائر والأموال ، فلما لم يأتوا علمنا أنهم إنما أعرضوا عن الإتيان به للعجز عنه ؛ كما أن سحرة فرعون في زمان موسى عجزوا عن معارضته فبان به كونه محقا في دعوته . وكما أن عيسى عليه السلام في أيامه أعجز الأطباء عن مثل ما أتى به . واعلم أن تحقيق نبوة المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ظاهرة في كتاب اللّه تعالى حين قال تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ
هامش
( 1 ) سورة النساء 163 .
( 2 ) سورة المؤمنون 23 .
( 3 ) سورة غافر 34 .
( 4 ) سورة يونس 75 .
( 5 ) سورة النساء 164 .