29 - وأن تعلم أن كلام اللّه تعالى ليس بحرف ولا صوت « 1 » لأن الحرف والصوت يتضمنان جواز التقدم والتأخر ، وذلك مستحيل على القديم سبحانه ، وما دل من كتاب اللّه تعالى على أن متعلقات الكلام لا نهاية لها دليل على أنه ليس بحرف ولا صوت لوجوب التناهي فيما صح وصفه به .
30 - وأن تعلم أن كلام اللّه قديم ، وكلام واحد أمر ونهى ، وخبر واستخبار على معنى التقدير ، وكل ما ورد في الكتب من اللّه تعالى باللغات المختلفة ، العبرية ، والعربية ، والسريانية ، كلها عبارات تدل على معنى كتاب اللّه تعالى ، ولو جاء أضعاف أضعافه لم تستغرق معاني كلامه . فمعاني كلام اللّه تعالى لا تستغرقها عبارات المعبرين ، كما أن معلومات علم اللّه لا يستغرقها عبارات المعبرين ، ومقدورات قدرته لا يمكن ضبطها بالحصر والتحديد ، وعلى هذه الجملة يدل قوله تعالى :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
« 2 » . وقوله :
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي
« 3 » الآية كما وصفناه قبل .
31 - وأن تعلم أنه إذا تقرر استحالة التخصيص على صفاته القائمة بذاته ووجوب عمومها في متعلقاتها به عموم قدرته في جميع مقدوراتها ، وثبت أنه سبحانه قادر على إماتة جميع الخلق ، وإبطال جميع الموجودات ، وعلى أن يخلق أضعاف ما خلق كيف شاء ، وأين شاء ، وأنه سبحانه وتعالى قادر على بعث الرسل ، وإنزال الكتب ، وإظهار المعجزات الدالة على صدقهم فإنه قادر على الحشر والنشر ، وثواب أهل الطاعات ، وعقاب أهل المعاصي كما قال اللّه تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
، « 4 » وقال سبحانه :
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ
« 5 » وقال
هامش
( 1 ) وفتاوى كبار أهل العلم من رجال القرن السادس والسابع في الرد على القائلين بالحرف والصوت مسجلة في تكملة الرد على نونية ابن القيم ، والمسألة من الخطورة بمكان ، وليس في الأخبار الواردة في الصوت ما يصح التمسك به كما توسع في بيان ذلك الحافظ أبو الحسن المقدسي شيخ المنذري في جزء الصوت وما ذكر في البخاري تعليقا بصيغة يذكر في سنده عبد اللّه بن محمد بن عقيل وقد أطال المقدسي في سرد أقوال الطاعنين فيه مثل مالك ، وابن معين ، وأبى حاتم ، وابن خزيمة ، وابن حبان وغيرهم والقاسم بن عبد الواحد الراوي عنه لا يحتج به كما قال أبو حاتم ، فليراجع تكملة الرد على النونية .
( 2 ) سورة النحل 40 .
( 3 ) سورة الكهف 109 .
( 4 ) سورة الروم 27 .
( 5 ) سورة الانفطار 4 .