تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
28 - وأن تعلم أن علمه سبحانه عام في جميع المعلومات ، وقدرته عامة في جميع المقدورات ، وإرادته عامة في جميع الإرادات علمها على ما هي عليه وأراد أن يكون ما علم أن يكون ، وأراد أن لا يكون ما علم أن لا يكون ، ولا يجرى في مملكته ما لا يريد كونه لأن شيئا من صفاته هذه لو اختص ببعض لما صح أن يكون عاما ، وما كان مختصا به متناهيا في ذاته اقتضى مخصصا يخصه بما اختص به وذلك علم الحدوث ، ومما يدل على أوصافه من كتاب اللّه تعالى قوله :
وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ
« 1 » وقوله تعالى :
وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً
« 2 » وقوله تعالى في معنى القدرة :
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
« 3 » وقوله تعالى :
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
« 4 » ولا يكون الخلق إلا بالقدرة ، وذلك يدل على عموم القدرة في جميع المقدورات ، وجاء في عموم الإرادة قوله تعالى :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
« 5 » . وفي هذا الآية دليل على عموم إرادته وعلى أن كلامه قديم لأنه بين أنه لا يخلق شيئا إلا أن يقول له كن ، ولو كان ذلك محدثا لكان مفعولا له بكن ، وكذلك الثاني والثالث ويتسلسل ذلك إلى ما لا نهاية له . ومما يدل على عموم كلامه في متعلقاته ونفى النهاية عنه قوله تعالى :
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً
« 6 » . وإذا تقرر عموم قدرته وعلمه فاعلم أنه يجوز أن يقال في وصفه سبحانه انه عالم بكل شيء . كما يجوز أن يقال أنه عالم بجمع المعلومات ، ويجوز أن يقال إنه سبحانه وتعالى قادر على جميع المقدورات ، ويستحيل أن يقال أنه قادر على كل شيء على هذا الإطلاق ، لأن القديم شيء يستحيل أن يتعلق به القدرة ، والّذي جاء في القرآن من إطلاق القول بأنه
عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
دخله ضرب من التخصيص ومعناه : على كل شيء مقدور قدير ولهذا قال أهل المعرفة أن آية العلم لم يدخلها التخصيص ، وآية القدرة دخلها تخصيص . فأما كون العلم والقدرة لم يدخلهما التخصيص فبمعنى أن يقال في العلم أنه عام في جميع المعلومات ، وفي القدرة أنها عامة في جميع المقدورات .
هامش
( 1 ) سورة يونس 16 . ( 2 ) سورة الأحزاب 40 . ( 3 ) سورة المائدة 17 . ( 4 ) سورة الزمر 62 . ( 5 ) سورة النحل 40 . ( 6 ) سورة الكهف 109 .
التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين — صفحة 142 | ابو المظفر الاسفرايني