تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
يكون محدثا ( بالكسر ) وما لا يستحق أن يكون محدثا كان محدثا ( بالفتح ) مثلها ، وقد نبه اللّه تعالى في كتابه على تحقيق هذه الدلالة وأثنى عليها وسماها حجة ، ومن على الخليل إبراهيم عليه السلام بإلهام هذه الدلالة إياه وجعلها سببا لرفع درجته حيث قال :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
« 1 » إلى قوله :
نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
« 2 » : استدل بالتغير على حدوث الكواكب والشمس والقمر . ثم إن اللّه تعالى نبه على هذه الطريقة من الاستدلال والاحتجاج فقال :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ
« 3 » وقال :
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ
« 4 » إلى قوله :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
« 5 » . 2 - وأن تعلم أن المخلوق لا بد له من خالق ، لأن الأجسام لو كانت بأنفسها مع تجانس ذواتها لم تختلف بالصفات ، والأوقات والأحوال ، والمحال ، فلما اختلف علمنا أن لها مخصصا قدم ما قدم ، وأخر ما أخر ، وخص كل واحد منها بما اختص به من الصفات ، لو لاه لم يقع الاختصاص في شيء من الأوصاف ، لأن الاختصاص بأحد الجائزين يقتضي مخصصا لولاه لم يقع التخصيص به ، وقد نبه اللّه تعالى على أصل هذه الدلالة بقوله :
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ
« 6 » معناه أم خلقوا من غير خالق كأنه قال من غير شيء خلقهم لما تقرر من استحالة ثبوت ما ثبت بوصف الخلق من غير خالق خلق ؛ ولا صانع دبر وصنع ، وأنت تعلم أيضا ، أن خالق الخلق قديم ، لأنه لو كان محدثا لافتقر إلى محدث . وكان حكم الثاني والثالث وما انتهى إليه كذلك ، وكان كل خالق يفتقر إلى خالق آخر لا إلى نهاية . وكان يستحيل وجود المخلوق والخالق جميعا . لأن ما شرط وجوده ما لا نهاية له من الأعداد قبله لم يتقرر وجوده لاستحالة الفراغ عما لا نهاية له لتنتهى النوبة إلى ما بعد . وأصل هذه الدلالة في القرآن وهو قوله :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ
هامش
( 1 ) سورة الأنعام 75 . ( 2 ) سورة الأنعام 83 . ( 3 ) سورة آل عمران 190 . ( 4 ) سورة البقرة 163 . ( 5 ) سورة البقرة 164 . ( 6 ) سورة الطور 35 .