وعلى الجملة جميع اليهود في أصل الدين فريقان :
قوم منهم ينكرون نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم وقوم لا ينكرون يقولون : أنه كان نبيا ولكن كان مبعوثا إلى العرب دون العجم وهم العيسويون « 1 » يكونون بأصفهان ، واعلم أن جميع اليهود في أصول التوحيد فريقان : فريق منهم المشبهة . وهم الأصل في التشبيه ، وكل من قال قولا في دولة الإسلام بشيء من التشبيه فقد نسج على منوالهم ، وأخذ مقالة من مقالهم الروافض وغيرهم ، ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم :
« الروافض يهود هذه الأمة » « 2 » لأنهم أخذوا التشبيه من اليهود .
الفريق الثاني منهم : هم القدرية ينكرون الرؤية ويقولون : إن الحيوانات يخلقون أفعالهم ، وأكثر الأمم كان فيما بينهم جماعة من القدرية ، ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا » « 3 » والقدرية الذين ظهروا في دولة الإسلام أخذوا طريقهم من قدرية اليهود ، وقد كان في عصرنا جماعة ممن ينتسب إلى أصحاب الرأي ، ويتستر بمذهبهم ، وهو يضمر الإلحاد والقول بالقدر ، وكان يراجع اليهود ويتعلم منهم الشبه التي يغرون بها العوام وكفاهم خزيا تعلمهم من اليهود واقتداؤهم بهم . واللّه سبحانه وتعالى يكفى المسلمين شرهم .
ومنهم قوم يقال لهم النصارى ، وقد روينا في الخبر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « أنهم يفترقون على اثنتين وسبعين فرقة » ، وكان سبب تفرقهم ما ذكره المفسرون وأصحاب التواريخ ، وذلك أنهم قالوا : إن النصارى كانوا متمسكين بدين عيسى عليه السلام بعد ما رفع إلى السماء إحدى وثلاثين سنة ، وكانوا يجبرون على الاستقامة إلى أن وقع بينهم وبين اليهود حرب .
وكان في اليهود رجل اسمه بولس « 4 » قتل منهم مقتلة عظيمة ، ثم قال لليهود إن كان قوم عيسى على الحق ونحن قد كفرنا بهم يكون علينا غبن عظيم فإنهم
هامش
( 1 ) أتباع أبى عيسى الأصبهاني اليهودي . كان يزعم أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم . لم يبعث إلى الناس كافة ، بل هو نبي العرب خاصة .
( 2 ) يروى معنى هذا الحديث عن سعيد بن جبير من قوله وكذا من أهل طبقته وأما رفعه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فلم أره في شيء من كتب الحديث .
( 3 ) أخرجه الطبراني في الأوسط بسند فيه متروك الحديث كما سبق .
( 4 ) راجع الفصل لابن حزم ( 2 - 70 ) .