واتبعهم سعد بن عمرو الجرشى « 1 » مع عسكر آخر ، وكانوا يقاتلون المقنع سنين .
فأمر هو بإصلاح سلالم من الخشب ومن الحديد وكان يضعها على عرض تلك الخنادق ، وبعث إلى مولتان حتى حمل إليه عدد كثير من جلود الجواميس ، فملأها رملا وطرحها في الخندق ليعبر عليه العسكر . فلما رأوا تلك الحال استأمن إليه ثلاثون ألفا منهم وقتل الباقون ، وكان المقنع قد أصلح تنورا أذاب فيه السكر ، والقطران ، فلما ضاق به الأمر طرح نفسه فيه حتى ذاب ولم يبق منه شيء يظهر .
فلما طلبه من بقي من أتباعه لم يجدوا منه شيئا قالوا : إنه رفع إلى السماء وأتباعه اليوم أكثر تلك القرى ، وبجبل ابلاق لا يصلون ، ولا يصومون ولهم مساجد بنوها يستأجرون من يؤذن لهم فيها يستحلون أكل الميتة ، والخنزير ، والزنا ، حتى أن كل واحد منهم يستحل حليلة صاحبه ، ويخفون هذه الأحوال عن عوام ابلاق .
وأما الحلمانية : أتباع رجل يقال له أبو حلمان الدمشقي . وكان أصله من فارس ولكنه أظهر بدعته في دمشق . وكان يقول : كل شخص حسن فروح الإله حال فيه ، وقومه إذا رأوا صورة حسنة سجدوا لها ، وكان يقول : أن كل من كان اعتقاده مثل اعتقادي فلا تكليف عليه ، وكل ما يشتهيه فهو حلال له .
وأما الحلاجية : فهم ينتسبون إلى أبى المغيث الحسين بن منصور الحلاج « 2 » من أرض فارس من بلد يقال له بيضاء وكان في أول أمره يتكلم على لسان الصوفية ويتعاطى العبارات التي تسميها الصوفية الشطح ، وهو أن يتكلم بكلام يحتمل معنيين . أحدهما : مذموم . والآخر : محمود . وكان يدعى في كل علم وافتتن به أهل العراق وجماعة من أهل طالقان خراسان ، واختلف المتكلمون ، والفقهاء ، والصوفية ، في حاله . أما المتكلمون فأكثرهم على أنه من الحلولية . وكان محتالا ممخرقا وإليه ذهب القاضي أبو بكر « 3 » وحكى في كتابه كثيرا من حيله ، وجماعة من متكلمي البصرة يقال لهم السالمية « 4 » وهم من جملة الحشوية يتكلمون ببدع متناقضة ،
هامش
( 1 ) هو أحد قواد المهدى العباسي راجع تاريخ ابن جرير .
( 2 ) قتل سنة 309 ه .
( 3 ) وهو الإمام محمد بن الطيب الباقلاني المتوفى 403 ه .
( 4 ) وهم كالبربهارية من الحشوية المندسين بين الحنابلة ينسبون إلى أبى الحسن محمد بن أحمد بن سالم البصري المتوفى بعد سنة 350 ه ، وأبيه أبى عبد اللّه . بهم ذاع بين الصوفية القول بالتجلي في الصور ومن معتقدهم أن اللّه يتلو على لسان كل قارئ وأنه تعالى يرى في -