هو الصلاح العام ، والنفع التام ، ولمّا كان للانسان دارا يحلها غير هذه الدار لقوله تعالى :
وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً
اي منذرين للأمم ، والبشارة ، والانذار لا يكونان الّا بالجزاء ، والمجازاة ، وكلاهما في غير هذه الدار ، ولولا نور الرسالة ، وحسنها المذكور في نفس كل انسان على حسب ما ذكر أولا ، لما اتصل أحد بالرسول الثاني ، ولا آمن به ، وانما صدّ من صدّ عن الرسول لميله إلى الراحة ، ودواعي الطبع ، لان الرسول عدو الطبيعة ، وصادف عنها ، ومثل الرسالة مثل النار التي تضيء العالم ، وتشمل ما فيه ، وهي في الصور بالمعنى الأول كامنة ، لا يظهر فعلها الّا بالقادح ، فإذا أظهرها كانت الفضيلة على المستضيء المنتفع بها ، وذلك القادح هو الرسول ( صلعم ) إلى الخلق ، وحجته على أهل زمانه ، وهو لسانه فيهم وترجمانه في العالم « 1 » السفلي باسره ، والمتبحر ابدا في الحكمة ، والمبين لها ، ولولاه لما وصل الناس بمجرد عقولهم إلى باب واحد من أبواب الحكمة ، فالأمة كلها تحل منه محل الجسد الواحد من القلب ، وأصحابه تحل منه محل حواسه ، وآلاته ، وعلمه الباطن الذي لم يطلع عليه الّا بأمر ربه ، يحل منه محل نفسه ، وعمله الظاهر ، وحركاته ، وعبادته ممّا شرعه ، تحل منه محل مفاصله ، وجميع جوارحه المنقادة إلى امره ، تحل منه محل أهل زمانه ، القابلين أوامره ، فانظر إلى ذلك بعين اليقين السالمة من الهوى ، فلعلك تهتدي إلى ما جاء به ، وتنتظم في سلكه ، وهدايته ان شاء اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) سقطت الجملة بتمامها في نسخة ( ه ) .