مخالفة في قول ، ولا عمل ، ولا نية ، فسكنت نفوسنا إلى وعدهم ، وصار كأنه أخذه اخذا بالأيدي ، ووقع اليقين به بعد الارتياض « 1 » بصدقهم ، وممّا أخبرونا به ان ذلك لا يكون الّا بحسن الاعمال ، وجودة الانقياد ، والاجتهاد في الطاعة للّه ، وان اللّه لا يستحق عليه لاحد من عباده شيئا بالطاعة ، وقد ملئ القرآن من ذلك ، الا ترى إلى قوله تعالى في حال من أذنب :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
، وهذا المعنى يدل على أن الجزاء بالعمل ، والعلم معا ، وأنه يكون خفيّا لا يدركه أحد ، وهو في الدنيا ، وذلك حسب القول يعملون السوء بجهالة ، فهذه الجهالة هي التي تكون ضد العلم ، فلا يتوب على أحد لان كل من يعمل السوء يعلم أنه سيقبل عمله ، ولا يجهل ذلك ، ويستحق قبيحة ، وانما أراد سبحانه وتعالى جهل الذات الباقية التي تحصل له بالآخرة ، لو كان ترك هذا السوء ايثاره على الذات الباقية عليها ، وقال في الشرط الثاني :
ثم يتوب من قريب ، والقريب هو ان نترك مثل هذا الدين ، وهو قادر عليه ، وعلى الالتذاذ اجلالا للّه ، وحرزا من سخطه ، وأمّا إذا لم يقدر على هذا الدين فلن يكون تاركا ، وان الذنب الذي تركه متى كان قادرا على فعله ثم تركه ، فان الأمور الطبيعية جميعها لا ثواب في فعلها ، ولا عقاب على تركها ولا للنفس ، ولا للعقل إلى حصرها وجه ، ولا يسأل الانسان عمّا لم يدخل تحت قدرته وعلمه ، وتنقطع بالطبع ، وتترك بالطبع ، والعقل لا يعدمها ، وامّا ما كان من افعال النفس فعنه السؤال ، وإليه يتوجه المقال « 2 » ، إذ ان افعالها اختيارية ، ولذلك كلفها تعالى بأوامره ، وعنها
هامش
( 1 ) وردت في نسخة ه الارتياع .
( 2 ) وردت في نسخة ه القول .