ثم جعل ذلك يتداوله ولده من بعده بأخذه واحد عن آخر إلى آخر أيام الدنيا ، ولولا ذلك لما كان لوصيته له ان لا يقرب الشجرة معنى ، ولا لندائه عليه بالخطيئة حقيقة ، ولا لقوله له ربنا ظلمنا أنفسنا وجه ، ولا لتعريفنا بأنه عصى ربه فغوى ، فائدة ، فانظروا يا اولي الألباب ، وتحققوا يا أصحاب العقول ، ولا تسلبوا أنفسكم عطية خالقها ، ونزهوا عقولكم عمّا تسندوه إلى فاطرها فالرجوع إلى الحق أولى من التمادي في ما لا حقيقة له ، والوجه الثامن :
من القدر هو تقدير الجزاء ، والمجازاة ، وذلك يجب ان يكون خارجا عن ادراك العقل ، والحواس ، لان العقل هو بيت العلم « 1 » ، والنفس بالنسبة إليه عالمة ، وقد أخبر اللّه تعالى انها لا تعلم بدليل قوله تعالى :
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
، وإذا كان الغطاء الفاني الذي يدخل تحت جميع الحواس الذي هو الغذاء ، لا تدركه النفس ، فمن اين تدرك العطاء الباقي السرمدي الذي ما رأيناه ، وهو اجل من أن يوصف ؟ وانما التسليم إلى أصحاب المعجزات في اشخاص النبوات وأرباب الآيات أوجب لما ثبت في عقولنا من صدقهم حتى صارت القضايا التي يوردونها عندنا حقيقة لكونها خارجة عن وسع الآدمي ، والظاهرة على أيديها ، وقوة اقتدارهم على سياسة العالم ، وحسن التعطف عليهم ، واعتبار ما يوردونه في حالة الامر المكروه ، والمحجوب ، فلا يجدونه يحتمل الخلل « 2 » ، ولا يعتوره الزلل ، وما يعدونه من أحوال الأمم المتقدمة ، واخبارهم بما فعلوه في السر والاعلان ، فلم يحضروا أزمانهم ، ولا أدركوا أوانهم ، وعصمتهم من ارتكاب الهوى مع أحد من الاتباع ، فلهذا الاعتبار وجب التسليم لهم فيما يقولونه والتحقيق لما يوردونه بقلوب سالمة بلا شك ، ولا
هامش
( 1 ) في نسخة ه وردت العمل .
( 2 ) في نسخة ه وردت الاخلال .