والتفكر ، فإنه مكان التنبيه على سر الخلقة ، وما أودع فيها الذي صرف إبليس وحزبه عن النظر فيه بقوله تعالى :
ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً
فقد اطلق لحزبه التفكر والتدبر فيما منع عنه حزب إبليس ، فمن استعمل فكرته ، اتعظ من غيره ، والوجه الثالث : من القدر تقدير تفاضل ، واختلاف بين سائر العالم ممّا حوته الخلقة من الحميد ، والمتوسط ، وغيره ، وهذا التقدير والتفضيل راجع إلى حكمة اللّه تعالى في أصل بدء الخلقة ، وجميع ذلك منطو « 1 » تحت قوله تعالى :
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ
اي بتقدير وتفضيل ، وتفاضل ، والانسان على هذا القول أفضل الخلقة ، لان الأشياء كلها مخلوقة من اجله لقوله تعالى :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ
فليس شرف الانسان لأنه أكمل ما في الخلقة ، ولا لأجل ان الأشياء كلها خلقت من اجله فقط ، وانما شرفه لأجل العقل والتمييز الذي خصّه تعالى به ، إذ ظهر شرف العقل من امتثال ما امره اللّه به ، وانتهاؤه عمّا نهى عنه وأقام حدود اللّه ، واتقى « 2 » محارمه ، قال اللّه تعالى :
« إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ »
والتقية ممّا طبع على القبول لها ، وتفضيلها ليكون معرّضا للمدح ، والذم ، فمن لم يفهم بالسمع ، فهو غافل ، ومن لم يحفظ ما فهمه فهو مكذب ، ومن لم يعمل بما حفظ ، وعرف قيمته ، وتركه فهو مستهزئ به ، فإلى أية جهة أراد ان يميل فيكون الحيوان أفضل منه لأنه على حالته الواحدة لم يكلف ما كلف به الآدمي فيمتنع منه كامتناعه ، والوجه الرابع : من
هامش
( 1 ) وردت في نسخة م موجود .
( 2 ) سقطت الجملة بتمامها في نسخة ه .