والفرق بينهما ان البسيط ما لم يكن مجبرا على امر لأنه لو أجبر عليه ، وكان مطاوع للجبر لدخل في حكم المركب ، وخرج عن حكم البسيط ، والمركب هو الذي لا يقبل صورة من الصور ، اختيارا بل جبرا ، والبسيط هو الذي لا يقبل صورة من الصور ، اجبارا ، واسترسال البسيط إلى كل معلوم غير مزاحم ، ولا مدافع وبذلك فضّل على المركب ، وشرف عليه ، واقتدر على قبول الأشياء لما هو عليه من الاختيار ، لذلك كان مفكرا لاختياره ، وعلى هذه الحالة وعد وتوعّد ، وهدد ورغب ، وجعل كل ما في الصورة من الاجبار آلة له يتصرف بها فلا تمتنع عليه ، ويمنع فعلها إذا أراد ، ويفكر في تصرفها كيف يريد ، لان اللّه خلق صورا لهذه الأجسام وأجبرها على قبول صورها جبرا ، وخلق النفوس الناطقة ، وجعلها لا تقبل صورتها مكرهة عليها ، ولا مقهورة فيها ، الا ترى إلى قوله تعالى :
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
لكون النفس لا تقبل بالكراهية ، وتقوم بالشيء ، وفي ذاتها غيره ، وانما تقبل صورها بإرادتها وإيثارها ، ولو كانت قابلة مجبرة لاوتيت صورها ، كما أوتيت أجسامها صورها ، ولم تكلف هذا التكليف ، ولم تلزم هذا الالزام ، ولم يشدد عليها ، ولم يغلّظ لها ، وهي ، وان كانت مؤثرة هذا الإيثار ، فليس لها اختراع صورها من تلقاء ذاتها ، وانما لها الطلب ، والاجتهاد ، والرغبة ، والقبول لما يلقى إليها ، وهي مناجية للجبر ، مناسبة له ، لأجل جسدها ، وطول صحبته ، والاختيار في ذاتها ، ولولا ذلك لما كانت لها منفعة بإرسال الرسل ، وقبول العلم ، وتلقي الفوائد ، والانصياع « 1 » لأوامر اللّه تعالى ، إذ
هامش
( 1 ) وردت في نسخة م والخضوع .