ادراك المغيبات ، الا ترى ان في البشر من يتجرد روحانيا ، ويتوحد نفسانيا ، ويتمثل فكريّا ، ويتصوّر عقليّا ، ويخلع ربقة الحس ، ويلقي إرادة الطبيعة ، ويفارق وصائل البدن ، ويسافر في الآفاق فكره ، ويجول في « 1 » الميدان لبه ، ويسرح في الفضاء سره ، ويرتع في رياض البصيرة ضميره ، ويتساوى عنده السر ، والاعلان ، والغائب ، والشاهد ، والظاهر ، والباطن ، ولربما زاد ذلك إلى الاخبار ، بما في الضمير من غيره وتصدّى إلى اخباره بما يقوم في نفسك ، واطلاعه على ما في ضميرك ، هذا ولم يحصل له الّا صفاء سريرة ، وخلوص فكرة ، وتجرد صورة ، وابراز حقيقة ، وانقطاع مواصلة الحس ، وانحياز إلى جملة العقل ، فان حصل له مع هذه الصفات استدلال فلكي ، وعلم علوي ، وشاهد نجوى ، أشرفت به فكرة ، وأضاءت بها افاق جسده ، فإنه يخرق الحجاب الثاني إلى مطالعة السرائر « 2 » ، ومناجاة الضمائر ، والافكار فان تصاعد به الحال حتى يقتبس أنوار الحقائق من الملائكة ، وأوحي إليه ، والقي عليه ، فإنه يحصل حينئذ على القسط الأعظم ، والحظ الأجزل من مطالعة الحقائق حتى يصير قلبه مقرا لنزول الروح الأمين عليه ، وتواتر إفاضة الملائكة المقربين عنده ، فتصبح اخباره عن الغيب اخبار إلهية « 3 » ، ومعرفته بالاسرار معرفة ربانية ، وإحاطته إحاطة علوية حتى يبلغ به الحال إلى ما قال ( صلعم ) : « انني لا لأراكم من خلفي ، كما أراكم من بين يدي » فإذا كان هذا حظ البشر من تساوي السر عنده ، والاعلان في مزية من الملأ الاعلى بأنها مزية فضيلة ، وتعلق حتى زاد على ما يخرج عن الطاقة بقوله ذلك معما أضاف إليه من قوله ( صلعم ) : « زويت
هامش
( 1 ) سقطت الجملة بتمامها في نسخة ه .
( 2 ) وردت في نسخة م الاسرار .
( 3 ) وردت في نسخة ن ربانية .