ومن الصفوة صفوة ، ومعنى ذلك ان أمهات العالم باسره أربعة أشياء هي :
النار ، والهواء ، والماء ، والأرض ، فامّا النار فصفّى منها النور ، وهو عقله الغريزي ، وامّا الهواء فصفّى له منه النطق يخرج منه من مخارج مخصوصة من الحلق والفم ، والشفتين ، والتنفس بالخياشيم « 1 » ، وامّا الماء فصفّى له منه الحياة ، وامّا التراب فصفّى له منه لب الأغذية فهو ابدا لا يغتذي الّا بما صفّى له من النبات ، والحيوان على حسب ما يشاكله ، ويجانسه ، ولمّا كان لا ينال الّا الأشياء الصافية ولبابها كانت بنيته أيضا ذات لباب ، وحقيقة اللب هو الذي يكون عليه الغشاوة ، فالعقل ، والنفس ، والحواس جميع ذلك كله في اللباب ، والجسم عليها غشاء ، ولذلك ناداه دون العالم فقال :
أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً
والمعني : يا ذوي الفكر ، والعقول ، والنفوس ، وجب التفكر ، والاعتبار في حالتي الدين والدنيا ، فان الانسان يفكر في أن الدنيا كلها خلقت له ، ومن اجله ، وانه أفضل من كل ما فيها ، وانها كانت قبل ان يكون هو فيها ، وانما له منها أيام قلائل ، فتلك صحائف اعماله ، وكنوز « 2 » تجارته ، وان كل يوم منها يفتح له بالأرزاق ، وينطوي عنه بالاعمال ، وان جميع ما يودعه من اعمال فلا بد له ان يواجه عليها كما قال تعالى :
وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
انما أراد ما تواجهون عليه من الاعمال الاختيارية من غير جبر عليها ، فإنها في اللوح المحفوظ الذي لا يغادر صغيرة ، ولا كبيرة إلّا أحصاها ، وان النفس هي التي تواجه عليها ، ولا يكون ذلك بواسطة الجسم ، لان اللّه تعالى قد سخّر لها الجسم ، ومكنها
هامش
( 1 ) في نسخة م وردت مناخيرها .
( 2 ) سقطت الجملة في نسخة ه .