تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العقائد ومعدن الفوائد — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
ولمّا كان عدل اللّه تاما ، وكان ما خلقه من نوع البشر مخصوصا بالتمييز عن غيره ، وكان النوع ذات الاشخاص ، والاشخاص ذات النفس ، وكانت الأنفس منها ما يؤثر اللذات المعقولات الآجلة النفسانية على المحسوسات العاجلة فيمتنع عن طلبها ثقة بنيل ما يراه ، وان كان آجلا ، ومنها ما يؤثر اللذات المحسوسات العاجلة ، وينكب على طلبها شكا منه في الآجلة ، وثقة منه في العاجلة ، وكان النقص لو كان لا سواه لهذه الأنفس التي هجرت في طاعة اللّه لذاتها ، وطلبت ما عنده ، ولا عقاب للأنفس التي طلبت العاجلة ، وأعرضت عن أوامر اللّه تعالى مع ارسال رسله لتحذيرهم الغرور بالعاجل الفاني في عدل اللّه متوهما ، وكان عدل اللّه تعالى منزها عن أن يتوهم فيه نقص ، كان من ذلك الايجاب بان للأنفس جزاء ، إذ الجزاء واجب ثابت ، ولمّا كانت رحمة اللّه تعالى تامة ، وكان اللّه سبحانه قد ارسل الرسل لتمنع عباده عن اللذات ، والشهوات المردية الدنيئة الخبيثة ، وكان لو كان لا مجرد لما هو خير من اللذات المحسوسات الدنيئة ، لما منعهم من اللذات بما لم يكن له أصلا لاحقا برحمة اللّه تعالى ، وكانت رحمته تعالى منزهة عن أن يتوهم فيها النقصان ، فكان من ذلك العلم بان للأنفس في ترك المنهي عنه من اللذات العاجلة ، وفعل المأمور به ما هو خير لها ، وهو جزاؤها على تركها ، وفعلها ، فالجزاء ثابت ، ولمّا كانت الرسل لا تدعو الأمم إلى الأمور الطبيعية في دنياهم التي يشاهدونها بحواسهم الّا على سبيل المثال ، والاحتذاء ، كان من ذلك العلم بأنهم إلى عالم غير هذا العالم يدعون ، إذ لو دعوا إليه لما زهدوا فيه ، وتخلوا عن لذاته ، وهجروا كلما يلهي فيه ، وتوجهوا إلى عالم غيره ، فكان من ذلك العلم ان العالم الذي إليه قصدوا ، وعليه دلوا فهو عالم الخير الذي سبق الوعد منهم لأممهم به ، فقد ثبت ان هذا العالم ليس بعالم جزاء ، انما هو عالم تكليف ، وتجارة ، وتحصيل