تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العقائد ومعدن الفوائد — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
محمد ، لان الأمم المتقدمة لمّا اختلفت ، وعصت مقدميها ، ونصبت الصور والهياكل ، لم تكمل بها كيفية العبادة المحضة الخالصة ، وذلك لوقوعها في الشرك ، وأمة محمد اوّل ما عمدت في هدايتها على التوحيد ، في اوّل الدعوة بالشهادة له ، والاقرار بالوحدانية المحضة الخالصة ، فأمرها اللّه بالعبادة الكاملة الخالصة ، فانتصبت ، وركعت ، وسجدت ، وعفّرت ، فأماتت الأمور الجسمانية ، وقصدت بالأرواح والعقول إلى الأسباب الخفية « 1 » ، والأمور المقدسة ، فاتصلت إليها ، واتحدت بها ، وكان اتصالها بالعبادة العملية على هذا الوضع ، وبالعبادة العلمية على هذا القصد ، فعملت بمقتضى الجوارح الاعمال البدنية ، وبمقتضى النفوس والعقول الحركات العقلية ، والأحوال الحقيقية ، فالضرب الأول نسميه اتصالا ، وتقربا ، واتحادا ، وارتباطا بالملإ الاعلى ، وتحت كل حركة من الحالين بالجوارح ، والنفوس أسباب لا يطلع عليها الّا بقوة الارتباط ، وشدة المحافظة والاجتهاد في الطهارة ، ومجاملة دواعي الطبع ، وترك الهوى ، والتعصب ، وتذليل النفس بالطاعة ، وهجر الشهوات والصبر على أشد العبادات ، فحينئذ تظهر لعيان العامل حقيقة الاتصال في ما يتمناه ، فيزهد فيما يعانيه من امر دنياه ، ويصير كأنه مبهوت « 2 » ، وينزع من خاطره معادات أهل المذاهب رحمة لهم بوقوفه على ما يصير الحال إليه ، فيصير علما يقتدى به ، فلا يعادي أحدا ، ولا يهجر فضيلة ، ولا يتعصب على طالب نجاة ، وهداية ، بل يقر به فان وجد إلى إصلاحه سبيل ، والّا عرض عنه خوفا منه على نفسه ، وتقية على ما حصل له من فائدة رب عصره وحكيم ملته ، ويدعو اللّه تعالى
هامش
( 1 ) وردت بنسخة م الهينة . ( 2 ) وردت في نسخة م مقهور .