الاعتقاد 78 : في الصوم
ويعتقد : ان الصيام نافع في عدة أحوال ، وذلك ان اللّه عز وجل ، لمّا جعل لابن آدم الحواس لتأدية ما يرومه ، وترك له الخيار بالقيام ، أو عدمه فيما ينهى عنه ، وفيما يؤمر به ، إذ قد أعطاه إياه ، وابتلاه بالامر والنهي ، وكان من أعظم الأسباب في سعادته ، ما يقبله في حواسه على ما ينبغي ، وأكد الأسباب في أذية ما يأخذه في حواسه على ما لا ينبغي ، لان اللّه سبحانه وتعالى انعشه وصانه عن الخطأ ، والزلل بالصيام ، فجعل حجابا ضربه على الحواس الخمس التي هي أسباب الكسب ، فمن هتك منها واحدة فقد نقض صومه ، إذ هو المطلع عليه ، والصوم له دون سائر الأعمال ، كما قال النبي عن اللّه تعالى : « الصوم لي وأنا أجزي به » وليس الصوم عن الطعام ، والشراب ، والجماع « 1 » فقط ، انما هو لعامة الحواس ظاهرا ، وباطنا ، لان فيه رمزا جليلا من الحكمة ، وذلك ان ترك الطعام ، والشراب ، والنكاح ، واجتناب الأسباب الطبيعية ، هي من اخلاق الملائكة الذين ليس لهم إلّا عبادة اللّه تعالى ، فأراد تعالى بفريضة الصوم أن يقيم الادمي في شكل الملائكة ليطهره من موبقات شهواته ، وليهتدي لما أوقفه فيه من هذا المقام الطاهر لأنه سبحانه يقول في بعض كتبه : « يا ابن آدم انا الصمد الذي لا يطعم ، وقد دعوتك إلى صفتي في أوقات من عمرك ، فإذا قبلت أوامري ، رفعتك إلى عالم الراحة ، وجنان الاستراحة ، ونزهتك عن التعب » وفيه من الرمز إلى طهارة النفس ، وتلطيف العقل ما لا يسعه عقل المبتدئ بالتعليم ، لان اللّه تعالى ادّب الآدمي بالصوم ، ومنعه به من استعمال ما كان له مطلقا قبله ، وكذلك
هامش
( 1 ) في نسخة ن وردت الجماح .