لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ
فكان حقيقي على اللّه في حسن حكمته ان يستجيب إليهم فقال سبحانه وتعالى :
فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ
وكل ذلك لكي يطمئن كل عامل عمل بعملهم ، وانما استحقوا إجابة الدعاء ، والثناء عليهم ، لأنه رضي عنهم بما عملوا ، ورضوا عنه بما كلفهم به ، وجمعوا بين عمل الرسول وشرعه ، وشهدت عقولهم بصحته ، وعلموا ان الشرع لا يقف عليه الّا العقل ، وان التكليف لا يستفاد الّا من الشرع ، ولولا العقل لم يتميز الانسان من البهيمة العجماء « 1 » ، ولولا الشرع وأمثاله ما تفاضل الانسان ، لأن العين صنعها اللّه في ظاهر كل صورة حيوانية ، ولولا النور ما ابصر من له عين ، ولا انتفع بضوئها ، وكذلك العقل صنعه اللّه في باطن الصورة الآدمية ، ولولا أصحاب الشرائع ما انتفع الآدمي بعقله ، فأصحاب الشرائع ينزلون من الأمم منزلة نور الشمس في العالم الذي بتوسطه ينظر الحيوان ، فكذلك أصحاب الشرائع بواسطتهم ، وبنورهم ، يوضحون للناس ، ويفهم كل ذي عقل امر اللّه ونهيه ، قال اللّه تعالى :
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ
المراد القسم بمن وقع في النور ، والضياء ، والنور لقلوب الانسان ، والضياء لابصار الحيوان ، فإذا وقف الانسان على دليل يوافق بين بصره ، وبصيرته ، فقد وقف على الغاية القصوى في امله ، ونال المراد ، وعرف حقيقة أوضاع ملته ، وجميع ما وضعه الرسول يجب ان يكون على العقل ، وفي موقعه ، وان الخطاب في الكتاب كله لأولي الألباب ، فتارة
هامش
( 1 ) وردت بنسخة م العجمية .